الشيوعية : بداية مرحلة جديدة
(سبتمبر 2008 م )
على الرغم من ما يصمّ به النظام الرأسمالي آذاننا وبشكل ثابت ، فهذا النظام الرأسمالي الذى نعيش في ظله يتصرف وفق طريقة تفكير تسير بشكل ثابت , بل وتتسبّ بقوة في جعل الغالبية العظمى من الإنسانية في حالة اغتراب , هذا النوع من الحياة لا يمثل افضل عالم ممكن , ولا العالم الممكن الوحيد.
الطرق التي سار فيها قطار الحياة اليومية ، لقرون وألفيات ، وترتب عنها إغراق الغالبية الساحقة من الإنسانية وتدميرها جسديا وروحيا ، بالاضطهاد والمعاناة و المهانة و العنف و الدمار و الحجاب الكثيف الي يتكون من الجهل والخرافة ، لا تعزى إلى خطأ اقترفته هذه الإنسانية المعذبة , ولا رده إلى ل"إرادة " إله أو آلهة غير موجودة ، و ليس ناجما عن "طبيعة إنسانية" ثابتة لا يمكن تغييرها . كلّ هذا تعبير ونتيجة لطريقة تطوّر المجتمع الإنساني إلى اليوم , في ظلّ هيمنة المستغِلين والمضطهِدين ...لكن هذا التطوّر الذى أوصل الإنسانية إلى نقطة حرجة , حيث أن ما حدث لآلاف السنين يجب أن يتوقف إلى هنا , وذلك بتوفر طريقة حياة أخرى , حيث يعيش فيها الإنسان , فرديا أو في تفاعله التبادلي مع الآخر ، وهذا يؤدي إلى كسر قيود التقاليد الثقيلة , بل وينهض بشموخ وينتهج طرق غير مسبوقة أو حتى متخيلة
.
1/ الظلام الطويل والإختراق التاريخي :-
إن العلاقات الاقتصادية والاجتماعية ذات الطابع الاستغلالي ، بما فيها الهيمنة المنظّمة على النساء من قبل الرجال , وانقسام المجتمع الإنساني إلى طبقات مختلفة , ذات مصالح متناقضة ، لم تكن موجودة دائما في صفوف البشر , وضع تحتكر فيه الأقلية - ليس فقط - الثروة ولكن أيضا وسائل العيش ذاتها وبذلك تجبر أعدادا ضخمة على العمل كأرقاء تحت سيطرتها ، بشكل أو آخر، بينما تحتكر تلك الاقلية السلطة السياسية ووسائل فرض هذا الاستغلال والسيطرة على الحياة الفكرية والثقافية للمجتمع ، حاكمةً على الغالبية الساحقة بالجهل والذلّ ، لم يكن هذا الوضع جزءا ملازما للمجتمع الإنساني , وليس من المقدّر أن تبقى هذه الطريقة في ارتباط البشر بعضهم ببعض ما بقيت الإنسانية . فهذه الانقسامات الأضطهادية التي ظهرت قبل آلاف السنين بديلاً لأشكال مبكّرة من المجتمعات المشاعية , والتي جدت لذاتها لآلاف السنين , وتشكّلت من مجموعات صغيرة فعلاً , أهمّ ممتلكاتهم مشتركة فيما بينهم , وتعمل باتعاون لتلبية حاجياتها وتنشأت أجيال جديدة.
انحلال هذه المجتمعات المشاعية البدائية , ليس مردّه بعض "الميول الطبيعية " لدى الناس للبحث عن موقع متفوّق على الآخرين والتقدّم على حسابهم ، ولا لاستعدادات - جينية وراثية - مفترضة لدى الرجال لإخضاع النساء , أو عرق من الناس لغزو ونهب أعراق أخرى . لا شكّ أنه كانت هناك نزاعات أحيانا عندما يلتقى أناس من المجتمعات المشاعية - البدائية - ولم يكونوا قادرين على تجاوز الاختلافات بينهم ، بيد أن هذه المجتمعات لم تتميّز بانقسامات اضطهادية مؤسساتية صارت مألوفة لدينا اليوم.
بالنسبة للناس في تلك المجتمعات المشاعية ، فكرة أن يعمل البعض في تلك المجتمعات كسادة على الآخرين ، و يبحثون عن الحصول على الثروة والقوّة بإجبار الآخرين على العمل لفائدتهم ، كانت ستبدو غريبة وشنيعة. بالأحرى ظهور الانقسامات الطبقية و العلاقات الاجتماعية الإضطهادية بين الناس , تسبب في تغيير طرق التفاعل مع المحيط الطبيعي "الخارجي" , وخاصة في تغيير طرق تنفيذ الناس لإنتاج المتطلبات المادية للحياة والتناسل وتنشأت الأجيال الجديدة.
وعلى وجه الخصوص ، مع بداية تنظيم هذا الإنتاج , وإعادة الإنتاج بطريقة تجعل أفرادا , بدلا عن المجتمع ككلّ، يسيطرون على فائض إنتاج المجتمع ، والفائض عن زيادة ضرورة البقاء على قيد الحياة ، مع استقرار الناس بشكل دائم على القطاع معين من الأرض شرعوا في الإنتاج الزراعي على الأرض استقروا عليها , ثمّ أتى ليل طويل , قُسّم فيه البشر إلى سادة وعبيد ، أقوياء وضعفاء ، حكام ومحكومين ، ومن لهم دور حاسم في تقرير اتجاه المجتمع , ومن يتشكل قدرهم بهذه الطريقة بينما ليس لهم دور فعّال في تقرير ذلك المصير.
وعبر آلاف السنين من الظلام للأغلبية العظمى من الإنسانية ، حَلُم الناس بحياة مغايرة , حيث ينتهي الرق والاغتصاب وحروب النهب , وينتهي الاغتراب إلى الأبد والمعاناة واليأس عن تشكيل "الوضع الإنساني". وهذا التوق لعالم مختلف وجد التعبير عنه في أشكال متنوعة من الخيالات الدينية ، والبحث في ما وراء العالم عن إله أو آلهة من المفترض أن تسيطر على مصير الإنسان , والذى من المفترض أنه في حياة أخرى مستقلّة ، إن لم يكن ذلك في حياته ، سوف يكافئ الذين تحمّلوا معاناة لانهائية زمن عيشهم على الأرض . ولكن وجدت أيضا محاولات تغيير الأمور في هذا العالم إذ حدثت تمرّدات وانتفاضات وهزات جماهيرية ونزاعات مسلحة وحتى ثورات تغيرت فيها المجتمعات والعلاقات بين المجتمعات تغيراً هائلاً. وسقطت حكومات وأطيح بأنظمة ملكية كما جرت الإطاحة بمالكي الأرقاء , والنبلاء والإقطاعيين .لكن لمئات وآلاف السنين ، بينما تمّت التضحية بحياة عديد من الناس بإرادة أو بغير إرادة ، كانت النتيجة في هذه الصراعات ، استبدال حكم مجموعة بحكم مجموعة أخرى من الاستغلاليين والاضطهاديين ، و بشكل أو آخر، ظلت أقلية في المجتمع تحتكر الثروة والسلطة السياسية والحياة الفكرية و الثقافية ، مهيمنة ومضطهدة الغالبية العظمى , وتورط في حروب مع الدول والإمبراطوريات المنافسة.
كل ذلك ظل على حاله جوهريا , لم يتغير , إذ لم يظهر ضوء نهار جديد لجماهير الإنسانية بالرغم من تضحياتها وكفاحها... إلى أن برز شيء جديد جذريا قبل أكثر من مائة سنة بقليل : نهوض الشعب الذى جسّد ليس فقط الرغبة ولكن كذلك إمكانية وضع حدّ لكافة العلاقات الاستغلالية والاضطهادية وجميع النزاعات العدائية الهدّامة بين البشر ، في كل مكان من العالم. في 1871م , نهض الشغيلة في عاصمة فرنسا ، الذين كانوا لفترة طويلة مستغَلين ومفقرين ومذلين ، لانتزاع السلطة وتأسيس شكل جديد من المجتمع الإنساني . كان ذلك في خضم الحرب بين حكومتهم وألمانيا , كانت هذه كمونة باريس التي وجدت فقط في ذلك الجزء من فرنسا ودامت شهرين لا غير، إلا أنها مثلت شكلا جنينيا لمجتمع شيوعي فيه تلغى الانقسامات الطبقية والإضطهادية بين الناس . وسحقت الكمونة بفعل توازن القوة لصالح النظام القديم وضحى الآلاف في محاولة جريئة , لكنها غير مجدية للإبقاء على الكمونة. بيد أن الطريق قد فُتح نحو عالم جديد , والدرب تجلى وإن بصفة خاطفة حينها.
وحتى قبل أحداث كمونة باريس ، صيغت إمكانية عالم راديكاليا جديد ، دون استغلال واضطهاد ، بصيغة علمية من خلال عمل كارل ماركس ، مع معاونه ومعاصره ، فريديريك انجلز مؤسسا الحركة الشيوعية. وكما صاغها كارل ماركس نفسه ، قبل سنوات فقط , قبل الكمونة :
" عندما تدرك العلاقة الداخلية ، فإن الاعتقاد النظري للضرورة الدائمة للظروف القائمة يتوقف قبل أن ينهار عمليا" (1)
وهذا ما فعله ماركس إذ نقّب علميا وكشف ليس فقط "العلاقات الداخلية" للنظام الرأسمالي الذى صار الشكل المهيمن للاستغلال في أوروبا , وكان يستعمر جزءاً كبيراً من العالم ، وإنما أيضا "العلاقات الداخلية" بين الرأسمالية وبقية الأشكال السابقة من المجتمع الإنساني , وبقيامه بذلك بيّن أنه لا وجود ل "ضرورة دائمة " سواء في استمرار الرأسمالية أو في وجود مجتمع آخر قائم على استغلال واضطهاد الأقلية للغالبية . فكان ذلك اختراقا عميقا في فهم البشر للواقع ، ما أسّس نظريا لاختراق تاريخي ، عالمي عمليا لتثوير غير مسبوق للمجتمع الإنساني والعلاقات بين الناس عبر العالم كافة.
أكثر اكتشافات ماركس جوهرية هو أن المجتمع الإنساني و العلاقات بين الناس في المجتمع ، لا تقرّرها أفكار ورغبات الأفراد ، سواء تعلّق الأمر بأفراد من البشر أو بكائنات خارقة خيالية ، بل تقرّرها الحاجة التي يواجهها الناس في إنتاج وإعادة إنتاج المتطلبات المادية للحياة وطريقة ترابط الناس والوسائل التي يستعملونها ، لتلبية تلك الحاجة. وفي عالم اليوم ، بالتقنية العالية التطوّر المتوفرة - وبالخصوص بأولئك الذين أبعدوا عن السيرورة العملية لإنتاج تلك الحاجات الأساسية للحياة - ومن اليسير نسيان أنه إذا لم يُنجز النشاط الإنتاجي لتلبية تلك الحاجات ( الغذاء و السكن والنقل وما إلى ذلك ) وإذا لم تستطع المجتمعات الإنسانية أن تعيد إنتاج السكان ، فبالتالي ستتوقف تقريبا الحياة وأن كافة ما يستمرّ في المجتمع والذى يعتبر سيره تقريبا بديهيا طالما أن الأمور في المجتمع تمضى "عادية" لن يكون ذلك ممكنا. وكان التوغل في كافة تلك المراحل المعقدة لتطوّر التاريخ الإنساني والتنظيم الاجتماعي لهذه البنية التحتية والأساس الضروري لسير المجتمع الإنساني انجازاً عظيما ومساهمة قيمة لماركس.
لكن ماركس أوضح أيضا أن في أي زمان ، مهما كانت الوسائل المستعملة في إنتاج و إعادة إنتاج الحاجات المادية للحياة ( مهما كانت طبيعة قوى الإنتاج – الأرض والمواد الأولية و التقنية ، سواء البسيطة أو المعقدة، والناس ذاتهم بمعارفهم وقدراتهم-) هي التي تقرّر بالأساس وفي النهاية طريقة تنظيم الناس وعلاقات الإنتاج التي يدخل فيها الناس لكي يستعملوا على أفضل وجه قوى الإنتاج. ومرّة أخرى، أوضح ماركس أن علاقات الإنتاج هذه ليست مسألة إرادة أو نزوات أفراد مهما كانوا أقوياء وإنما ينبغي بالضرورة أن تتوافق أساسا مع طابع قوى الإنتاج في أي زمان . على سبيل المثال ، إذا كانت تقنية المعلوماتية وسيرورات الإنتاج ذات العلاقة التي هي اليوم محورية في الاقتصاديات الحديثة ، وجدت في المجتمعات المكونة من مجموعات صغيرة من الناس التي تبحث عن الكلأ وتصطاد في مناطق شاسعة ( نسبة لحجم سكانها) ، وهي طريقة الحياة في المجتمعات المشاعية البدائية ، فإن إدخال هذه التقنية سيجلب تغييرات مثيرة في طبيعة تلك المجتمعات : ستتصدّع طريقة حياتهم وتتغيّر بشكل ذو دلالة. وكذلك وعلى سبيل المثال ،لا يمكن للتقنية الحديثة أن تستعمل بفعالية في فلاحة المزرعة التي كانت العمود الفقري لطريقة العيش في جنوب الولايات المتحدة ن أثناء حقبة الارق ولما يناهز القرن بعد الإلغاء القانوني للعبودية عبر الحرب الأهلية في عشرينات القرن التاسع عشر . فتلك الفلاحة الزراعية تميّزت بمستوى منخفض من التقنية لكن العمل كان ينجز بالاعتماد على كثافة العمالة التي تعتمد أولا على الارقاء وبعد ذلك , على الشركاء الزارعين والعمال الزارعين , والكدح الشاق من "الفجر حتى الليل" وفي الحقيقة ، في الفترة التالية للحرب العالمية الثانية على وجه الخصوص ، فقد قوّض إدخال التقنية الجديدة إلى الزراعة الجنوبية ،لا سيما الجرارات والزراعة الآلية والحاصدات ، على نطاق أوسع فأوسع، نظام الزراعة القديم وكان الحافز الرئيس في دفع عديد من السود الذين ارتبطوا سابقا بالأرض بشكل أو آخر ، نحو الأرض نحو مدن الشمال وكذلك مدن الجنوب. و هذا بدوره ، شكّل جزءا هاما من القاعدة المادية التي على أساسها شنّ النضال لإنهاء الميز القانوني والإرهاب المفتوح للكوكلوكس كلان ودعاة التفوّق العنصري الآخرين – وهو نضال عبر تضحيات وبطولات عظيمة ،أحدث تغييرات هامة جدا في المجتمع الأمريكي ، وفي موقع السود بصفة خاصة ، حتى ولو أنه لم يضع ولم يستطع أن يضع نهاية لإضطهاد السود الذى كان ويظلّ اليوم عنصرا تاما وأساسيا من النظام الرأسمالي – الإمبريالي في الولايات المتحدة الأمريكية. (2)
وهناك حقيقة حاسمة أخرى سلط الضوء عليها ماركس , ألا وهي أنه على أساس علاقات الإنتاج القائمة في زمان , سينهض بناء فوقي من السياسة والإيديولوجيا – هياكل سياسية ومؤسسات وسيرورات وطرق تفكير وثقافة – جوهريا يتناغم معها وبدورها تخدم الحفاظ على علاقات الإنتاج القائمة و تعزيزها. وبيّن ماركس أكثر بأنه نظرا لأن التغييرات في قوى الإنتاج ستقود إلى ظهور علاقات إنتاج متميّزة بالإخضاع والهيمنة فإن المجتمع ينقسم إلى طبقات مختلفة ، يتجذر موقعها في المجتمع مستند إلى أدوارها المختلفة في سيرورة الإنتاج . في مجتمع منقسم طبقياً ، الطبقة المهيمنة اقتصاديا في المجتمع التي تحتكر الملكية والسيطرة على وسائل الإنتاج الرئيسة ( التقنية و الأرض والمواد الأولية إلخ) هي التي ستهيمن أيضا على البنية الفوقية السياسية والإيديولوجية. وهذه الطبقة المهيمنة اقتصاديا ستمارس احتكارا للسلطة السياسية التي تتجسّد في الدولة وبخاصة وسائل القمع السياسي ومن ذلك الشرطة والجيش و النظام القانوني والمؤسسات الجزائية وإضافة إلى السلطة التنفيذية والتي تتخذ تعبيرا مركزا في احتكار القوات المسلحة "الشرعية" . طرق التفكير السائدة هي أيضا شائعة في المجتمع بما في ذلك كما يجرى التعبير عنها في الثقافة التي تتماشى مع نظرة ومصالح الطبقة المهيمنة ( مثلما أوضح ذلك ماركس وإنجلز في "بيان الشيوعي" طالما أن المجتمع منقسم إلى طبقات، فإن الأفكار السائدة في أي فترة هي دائما أفكار الطبقة الحاكمة ) .
ثمّ ما هو الأساس الجوهري وما هي القوى الكامنة الدافعة لتغيّر المجتمع؟ حلّل ماركس كيفية أنه عبر نشاط وإبداع الناس ، تتطوّر باستمرار قوى الإنتاج وعند نقطة معينة ستدخل قوى الإنتاج التي تطوّرت في تناقض عدائي مع علاقات الإنتاج القائمة ( ومع البنية الفوقية والسياسة والإيديولوجيا التي تتناسب مع علاقات الإنتاج هذه ) عند هذه النقطة ، كما وصف ذلك ماركس ، تصبح علاقات الإنتاج القائمة ، بمعنى شامل ، قيدا ومعوقاً لقوى الإنتاج ، وحين يظهر هذا الوضع ، ينبغي القيام بثورة هدفها تثوير علاقات الإنتاج ورفعها إلى مستوى قوى الإنتاج ، لإيجاد وضع حيث علاقات الإنتاج تكون أكثر ملائمة لذلك التطوّر. ومثل هذه الثورة ستدفع إليها قوى تمثّل طبقة تجسّد إمكانية إنجاز هذا التحوّل لعلاقات الإنتاج. ولكن هذه الثورة يجب ولا يمكن لها إلا أن تحدث في البنية الفوقية – في الصراع من أجل السلطة السياسية على المجتمع ، عبر الإطاحة بسلطة الدولة القديمة وتفكيكها وإرساء سلطة دولة جديدة - مما يمكّن حينئذ من تغيير علاقات الإنتاج وكذلك البنية الفوقية ذاتها ،في انسجام مع مصالح الطبقة الحاكمة الجديدة وقدرتها على أن تطلق وتستخدم قوى الإنتاج .
وبالطبع ، الثورة سيرورة معقدة للغاية ، تشمل العديد من الناس والمجموعات المختلفة وذات وجهات النظر والأهداف المتنوعة والذين ينجزون مثل هذه الثورة قد يكونون أقل أو أكثر وعيا بالتناقضات الكامنة ( بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج) التي أرسى تطوّرها حاجة وظهور الديناميكية التي جعلت مثل هذه التناقضات و الديناميكية تجلبان إلى المقدمة أولئك الذين يمكن أن يتقدّموا ويتقدّمون جوهريا بموجب الحاجة لتحويل علاقات الإنتاج لجعلها تنسجم مع تطوّر قوى الإنتاج . هذا ما حدث ،على سبيل المثال ، في الثورة الفرنسية أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، أكثر الثورات البرجوازية راديكالية : عديد من القوى الطبقية والمجموعات الاجتماعية المختلفة شاركت في تلك الثورة ، لكن في التحليل النهائي كانت القوى السياسية هي التي مضت في إرساء النظام الرأسمالي ، بدلا من النظام الإقطاعي القديم ، وهي التي كانت قادرة على التخندق في السلطة جوهريا لأن هذا التغيير في الاقتصاد وفي المجتمع ككل تم على ذلك الأساس ، ومثّل وسيلة ضرورية لجعل علاقات الإنتاج تنسجم مع قوى الإنتاج التي تطوّرت.
وتزوّدنا الحرب الأهلية الأمريكية بصورة للمبادئ والمنهج الأساسيين الذين طوّرهما ماركس وطبّقهما على تاريخ تطور المجتمع الإنساني . جرت بالأساس نتيجة أن نظامين للإنتاج ( متميّزين بنظامين مختلفين من علاقات الإنتاج : الرأسمالية و العبودية ) بلغا نزاعا عدائيا وما عاد بوسعهما التعايش ضمن نفس البلاد. و نتيجة لهذه الحرب الأهلية التي انتهت بانتصار الطبقة الرأسمالية ، المرتكزة في الشمال، قضى على النظام العبودي ، وبات النظام الرأسمالي مهيمنا في البلاد ككل ، حتى وإن بالخصوص إثر فترة قصيرة من إعادة البناء التي تلت الحرب الأهلية ، جرت إعادة إدماج الأرستقراطية و الملاكين العقاريين والرأسماليين المتطوّرين في الجنوب داخل الطبقة الحاكمة لهذه البلاد قاطبة وبالفعل كان لذلك تأثير عظيم على الطبقة الحاكمة ، بينما أٌخضع الارقاء السابقين ومجدّدا لأشكال من الاستغلال والاضطهاد بالكاد أقلّ ثقلا من العبودية ( وبعض أشكال العبودية الفعلية استمرت في الوجود لا سيما في الجنوب ، بعد فترة طويلة من الإلغاء القانوني للرق ) .
ومن هذه الأمثلة التاريخية ، يمكن أن نرى الثورات التي أفرزت تغييرات نوعية في المجتمع , لكنها مع ذلك لم تؤدى إلا لتجديد طبقة مستغِلة في الموقع المهيمن ، فإن النمط قد تكرّر حيث تقدّم الجماهير الشعبية المضطهَدَة (أو يقع التضحية بها) في هذه الثورات ( مثلا 200 ألف من الأرقاء السابقين قاتلوا إلى جانب الشمال في تلك الحرب ، وقُتلوا بنسب مأوية أكبر بكثير من غيرهم في الجيش الاتحادي) ورغم ذلك ، في آخر المطاف حقق مستغلوا الجماهير ، القدامى منهم والجدد ، ثمار هذه التضحية. وهكذا كان الأمر منذ زمن ظهور الانقسامات الطبقية , وهيمنة الطبقات المستغِلة , تميّز المجتمع الإنساني . من ذاك الحين... إلى اليوم.
من أهم الدلالات التحررية التي كشف عنها ماركس , إن تطوّر المجتمع الإنساني ، بفعل الديناميكية التي أظهرها إلى النور ، جعلت من الممكن الوصول إلى مجتمع مختلف جذرياً , ولقد وصلنا لنقطة عبر مراحل معقدة من التطور , والتي تم عرضها في خطوط عريضة , إن قوى الإنتاج الموجودة حالياً تجعل من الممكن التوسع في الإنتاج الذي من الممكن أن يتم تقاسمه واستخدامه في تلبية الحاجات المادية لكل الإنسانية في كل مكان , بينما تمد الإنسانية بحياة ثقافية وفكرية تزداد ثراءً ليس فقط كون التقنية تطورت لتجعل هذا ممكنا بصورة عامة ولكن هذه التقنية بمستطاعها ( وفي الحقيقة يجب ) أن تستخدم من قبل مجموعات واسعة من الناس تعمل بالتعاون مع بعضها البعض . وقد فضح ماركس التناقض الرئيس للنظام الرأسمالي الذي يسود عالم اليوم , بهذه التكلفة الخطر العظيمين على الإنسانية , التناقض بين الطريقة الجماعية للإنتاج وكون عملية وعائد الإنتاج ينتهي عند مجموعة محدودة أو يملك فردياً . كما ينص على ذلك تستور حزبنا .
" في عالم اليوم ، إنتاج الحاجات وتوزيعها يتم على نحو ساحق بواسطة عدد كبير من الناس يعملون بشكل جماعي , ومنظمون بشبكات عالية التنسيق وفي أساس هذه العملية توجد الطبقة العاملة وهي طبقة عالمية لا تملك شيئاً, ولكن هي التي خلقت هذه القوة المنتجة ذات الطابع الاجتماعي , هذه القوة الإنتاجية الهائلة سوف تمكن الإنسانية ليس فقط تلبية حاجاتها الأساسية لكل فرد على ظهر هذا الكوكب , بل بناء مجتمع ذو علاقات اجتماعية مختلفة , مجتمع يستطيع فيه الناس أن يزدهروا معاً . (3)
لتحقيق هذا , أي معالجة التناقض الرأسمالي الجوهري عبر الوسائل الثورية , وتجاوز انقسام الإنسانية إلى مستغِلِين ومستغَلِين ، حكام ومحكومين ، هو هدف الثورة الشيوعية. وهذه ثورة تتناسب مع أكثر المصالح الجوهرية للبروليتاريا ، البروليتاريا التي في ظلّ شروط السيطرة والاستغلال الرأسماليين ، تقوم بالإنتاج الاجتماعي , والتي تجسّد إمكانية جعل علاقات الإنتاج تتناسب وقوى الإنتاج , وإطلاق المزيد من قوى الإنتاج تلك ، بما فيها الناس ذاتهم . لكن على خلاف كافة الطبقات السابقة التي أنجزت ثورة لمصلحتها ، فإن البروليتاريا الثورية لا تهدف ببساطة إلى بناء نفسها وممثليها السياسيين في موقع الحاكم في المجتمع ، بل تهدف إلى تخطى الانقسام الاجتماعي إلى طبقات ، لاجتثاث جميع العلاقات الإضطهادية وإلى جانب ذلك إزالة جميع المؤسسات والأدوات التي عبرها يهيمن جزء من المجتمع ويضطهد جزءا آخر. ومثلما لخّص ذلك ماركس ، تهدف هذه الثورة إلى – وستنتهى فقط إذا حققت- ما صار يسمى " الكليات الأربع " : إزالة كل الاختلافات الطبقية، وكلّ علاقات الإنتاج التي تقوم عليها هذه الاختلافات الطبقية وكل العلاقات الاجتماعية التي تتناسب مع علاقات الإنتاج تلك وتثوير كل الأفكار التي تتناسب مع تلك العلاقات الاجتماعية . وباختصار مفيد وبقوّة أدرك ماركس فحوى هذا بتشديده على أن البروليتاريا يمكن أن تحرّر نفسها فقط بتحرير كافة الإنسانية .
لكلّ هذا تمثل الثورة الشيوعية الثورة الأكثر جذرية وتحررية حقا في تاريخ الإنسانية.
عند إلقاء نظرة على التجربة التاريخية الهائلة التي استقى منها استنتاجاته، أشار ماركس بفهم عميق بأن الناس يصنعون التاريخ، لكنهم لا يصنعونه بالطريقة التي يتمنون. إنهم يصنعونه على قاعدة الظروف المادية وبشكل خاص الظروف و العلاقات الاقتصادية الكامنة التي ورثوها عن الأجيال السابقة والطرق الممكنة للتغيير الكامنة في الطبيعة المتناقضة لهذه الظروف. وكما أشار بوب آفاكيان رئيس الحزب الشيوعي الثوري ، الولايات المتحدة الأمريكية، في "القيام بالثورة وتحرير الإنسانية " ( الجزء الأول ) :
«بوسعنا أن نعقد مقارنة هنا بالتطوّر في العالم الطبيعي. واحدة من النقاط التي تمّ التشديد عليها مرارا و تكرارا في الكتاب حول التطوّر الذى ألفته أرديا سكايبراك هو أن سيرورة التطوّر لا يمكنها أن تحدث تغييرات إلاّ على أساس ما هو موجود بعدُ...والتطوّر في العالم الطبيعي يحدث ولا يمكنه إلا أن يحدث من خلال تغييرات تنهض على أساس وفي علاقة مع الواقع القائم و القيود القائمة ( أو بصيغة أخرى ، الضرورة القائمة) (4) .
ويزوّدنا هذا بالإجابة الأساسية على سؤال يُثار : من أنتم لتقولوا لنا كيف يمكن تنظيم المجتمع ؟ وبأي حقّ أنتم الشيوعيين يجب أن تحددوا التغيّر الممكن وكيف يجب أن يتمّ ؟ هذه الأسئلة تخطئ الهدف وهي تمثل عدم فهم جوهري لديناميكية التطوّر التاريخي ( وطرق التغيير الممكنة) في المجتمع الإنساني وكذلك في العالم المادي على الوجه الأعمّ . وهذا يشبه سؤال لماذا لا تستطيع الطيور أن تلد تماسيحا أو لماذا لا يلد البشر نسلا قادرا على الطيران حول الأرض ، لوحدهم ، في لحظة ما ، قافزين على العمارات الشاهقة وبقفزة واحدة ويتمتعون برؤية أشعة سينية تخوّل لهم الرؤية من خلال الأجسام الداخلة ، ويودون معرفة : من أنتم لتملوا ما الذى سيحدث عبر التناسل ؟ ومن أنتم لتقولوا إن للنسل الإنساني خصائصا معينة وليس أخرى؟ ليست مسألة "من أنتم" لكن مسألة ما هو الواقع المادي وما هي إمكانيات التغيير الفعلي الكامنة ضمن الطابع (المتناقض) للواقع المادي. المسألة هنا مزدوجة : لأول مرّة في تاريخ الإنسانية ، جعلت الظروف المادية ممكنا القضاء نهائيا على علاقات الهيمنة والاضطهاد والاستغلال، والفهم النظري لتوجيه النضال نحو ذلك الهدف نشأ على أساس من الواقع المادي وتطوّره التاريخي الذى ولّد هذه الإمكانية.
وفي ذات الوقت ، لا يمكن لهذا التغيير التاريخي- العالمي لعلاقات الإنتاج الاجتماعية إلاّ أن يحدث على قاعدة الاعتماد على الظروف المادية الفعلية والتناقضات التي تميّزها والتي تفتح الباب لهذه الإمكانية التي تجسّد أيضا العقبات أمام تحقيق التغيير الاجتماعي الجذرّي ، وهذا يتطلّب فهما ومقاربة علميين لهذه الديناميكية المتناقضة وقيادة مجموعة منظمة من الناس مستندة إلى هذا المنهج وهذه المقاربة. لأجل إنجاز النضال المعقّد والصعب لتحقيق هذا التغيير و التقدّم نحو الشيوعية عبر كافة أنحاء العالم .
2/ المرحلة الأولى من الثورة الشيوعية :-
كانت كمونة باريس المحاولة الأولى العظيمة , لصعود جبال التحرّر الإنساني وكانت رائدة بالنسبة للمستقبل ، لكنها تفتقر للقيادة الضرورية , ولم تسترشد بالفهم العلمي الضروري للقدرة على مقاومة الهجمات الحتمية لأعداء الثورة من النظام القديم , ومن ثمّ لإنجاز تغيير شامل للمجتمع ، في المجالات جميعها : الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والإيديولوجية .
وبعض الذين يناقشون تجربة الكمونة بنظرة رومانسية ، عوضاً معالجتها بنظرة ومنهج علميين يحبون الاستشهاد بغياب القيادة الطليعية والموحدة على أساس وجهة نظر علمية ، ماركسية ، كأحد مزايا الكمونة . بيد أن هذا كان في الحقيقة أحد نواقصها الكبرى وأحد أهمّ العوامل التي ساهمت في هزيمتها ، بعد فترة قصيرة من الوجود. غياب مثل هذه القيادة ومحاولة التطبيق الفوري لإجراءات تزيل جوهريا أي قيادة مؤسساتية هي سبب من الأسباب الرئيسية لعدم قدرة الكمونة بما فيه الكفاية على قمع القوى المنظمة التي كانت مصمّمة على إبادة الكمونة وضمان أن شبح الثورة الشيوعية الذى بدا فظيعا للغاية ، من وجهة نظر المستغِلّين والمضطهِدين ، لن ينهض مجدّدا أبدا. بشكل خاص ،كما أشار ماركس، أخفق الكمونيون في الزحف على الفور على قلاع أعداء الثورة في المدينة القريبة ، فرساي ، و لذلك استطاعت قوي أعداء الثورة أن تعيد تجميع قوتها وغزو باريس , ووجهت ضربة مميتة للكمونة وذبحت الآلاف من أكثر مقاتليها تصميما في السيرورة . لكن أبعد من النتائج الفورية التي انجزت إلى درجة هامة ، عن نواقص كمونة باريس وحدودها، الواقع أنه لو هزمت الكمونة هجمات أعداء الثورة , وبقيت قيد الحياة ، كانت ستواجه حينها تحدّيا أعظم حتى في إعادة تنظيم وتغيير المجتمع بأسره وليس فقط العاصمة باريس حيث مسكت السلطة لفترة مضيئة لكنها قصيرة للغاية . كان عليها أن تبني اقتصادا جديدا ومختلفا راديكاليا ، اقتصادا اشتراكيا ، في بلد لا زال متشكلا بصفة واسعة من صغار المزارعين (فلاحين) وكان عليها أن تتخطى اللا مساواة العميقة و المتجذّرة في التقاليد والاضطهاد ، لا سيما القيود التي ربطت النساء لآلاف السنين. وهنا من جديد تبرز نواقص الكمونة وحدودها : نهضت النساء بدور حيوي وبطولي في إنشاء الكمونة وفي القتال للدفاع عنها ومع ذلك ظلّت في موقع تابع داخل الكمونة.
في أقل من 50سنة من هزيمة كمونة باريس ، بداية من أواسط الحرب العالمية الأولى بين الإمبرياليين ، تحقق تغيير ثوري أكثر جذرية وعمقا في ما كان يسمى الإمبراطورية الروسية إذ أطاحت الثورة بالقيصر ( الملك الروسي) الذى كان الحاكم الوارث للإمبراطورية ثمّ أطاحت بالطبقة الرأسمالية التي سعت لمليء " الفراغ في السلطة "والامساك السيطرة على المجتمع عندما سقط القيصر.
وخلال هذه الثورة التي قادها لينين ، نشأ الاتحاد السوفياتي كأول دولة اشتراكية في العالم ، ورغم أن لينين توفي في 1924م ، ولعدّة عقود بعده أنجز التغيير الاشتراكي في الاتحاد السوفياتي ، حتى لماّ واجه تهديدات مستمرّة وهجمات متكررة من القوى المضادة للثورة ، داخل البلاد وخارجها ، بما في ذلك الغزو الهائل للاتحاد السوفيتي من قبل الإمبريالية الألمانية النازية أثناء الحرب العالمية الثانية ، التي كلفت حياة أكثر من 20 مليون مواطن سوفيتي وأحدثت دمارا كبيرا في البلاد.
في قيادته للثورة الروسية ، في خطوتها العظيمة الأولى للامساك بالسلطة السياسية وتعزيزها والإبحار عن طريق التحويل الاشتراكي ، عمل لينين انطلاقا من الأساس العلمي للاختراقات التي حققها ماركس وواصل تطوير العلم الحيّ للماركسية تطويرا خلاقا. واستخلص دروسا مهمة من كمونة باريس وكذلك من التجربة التاريخية للمجتمع الإنساني و العالم الطبيعي بصورة أوسع . وتتحلى بأهمية بالغة صياغة لينين فهم أن الحزب الطليعي الشيوعي ضروري للسماح لجماهير الشعب بخوض صراع متزايد الوعي فلإطاحة بحكم الرأسماليين وبعد ذلك إنجاز التحويل الجذري للمجتمع نحو الهدف النهائي، الشيوعية عالميا.
وطبّق لينين , وطوّر أيضا الفهم الذى صاغه ماركس على أساس تلخيص الدروس المُرّة لكمونة باريس ، بأنه عند إنجاز الثورة الشيوعية ، من غير الممكن الإبقاء على الآلة الجاهزة ، الدولة القديمة التي خدمت النظام الرأسمالي ، من الضروري تحطيم وتفكيك تلك الدولة وتعويضها بدولة جديدة : عوضاً عن ما هو في الواقع دكتاتورية الطبقة الرأسمالية (البرجوازية) ، من الضروري إرساء السلطة السياسية للطبقة الثورية الناهضة ، دكتاتورية البروليتاريا ، كنوع لدولة مغايرة راديكاليا ، سيشّرك بصورة متصاعدة جماهير الشعب في إنجاز التحويل الثوري للمجتمع. كما شدّد على ذلك لينين ،هذه الدكتاتورية الثورية ضرورية لسببين اثنين:
1/ منع الاستغلاليين القدامى منهم والجدد داخل البلاد وفي مناطق أخرى من العالم ، من إلحاق الهزيمة بنضالات الجماهير الشعبية وتشكيل مجتمع وعالم جديدين راديكاليا و التقدّم في هذه النضالات التي تنشد إنجاز ( الكليات الأربع ) .
2/ لضمان حقوق الشعب في كلّ لحظة ، رغم اللا مساواة التي تبقى ، بدرجات مختلفة ، بين قطاعات من الشعب خلال شتى مراحل الانتقال الاشتراكي إلى الشيوعية وفي نفس الوقت نظرا لكون غاية دكتاتورية البروليتاريا هي مواصلة اجتثاث وتخطى مثل هذه اللا مساواة الاجتماعية في جميع انحاء العالم ، بحيث لن تستطيع الانقسامات الاجتماعية الإضطهادية أن تظهر والدولة ، كأداة مؤسساتية لفرض القوانين والحقوق لن تكون ضرورية وستعوّض الدولة ذاتها بالإدارة الذاتية للناس دون اختلافات طبقية وتناقضات عدائية اجتماعية.
للاستشهاد مرّة أخرى بمقدّمة دستور حزبنا : " خدمت كافة الدول السابقة توسيع العلاقات الاستغلالية وعزّزت نفسها ضد أي تغييرات جوهرية في هذه العلاقات. وبالعكس ، دكتاتورية البروليتاريا ، تهدف إلى إلغاء الدولة في النهاية ، مع القضاء على الاختلافات الطبقية وكافة العلاقات الاجتماعية العدائية المؤدية إلى الاستغلال والاضطهاد والتجدّد الثابت للنزاعات الهدّامة بين الناس. ولأجل أن تستمرّ بالتقدّم صوب هذه الغاية ، ينبغي على دكتاتورية البروليتاريا أن تجلب بصفة متصاعدة جماهير الشعب ، من عديد شرائح المجتمع المختلفة ، للمساهمة مساهمة ذات دلالة في عملية تسيير المجتمع وإنجاز التقدّم باتجاه الهدف النهائي ، الشيوعية عبر العالم."
في السنوات القليلة من ترأس لينين للدولة السوفياتية ، قادها للإبحار في التحويل الاقتصادي والاجتماعي , في توفير التوجيه النظري والدعم النشط للنضال الثوري في كافة أنحاء العالم . لكن بوفاة لينين في 1924م ، كان التحدّي قيادة هذه السيرورة ، في عالم معادى تهيمن عليه البلدان الإمبريالية القوية ودول رجعية أخرى ، وقع على عاتق ستالين الذى برز كقائد للحزب الشيوعي السوفياتي . كانت هذه تجربة تاريخية لم يسبق لها مثيل : لعقود عدّة ، شهد الاقتصاد وكذلك العلاقات الاجتماعية الواسعة بما فيها العلاقات بين النساء و الرجال وكذلك بين مختلف القوميات و المؤسسات السياسية وثقافة المجتمع ونظرة جماهير الشعب، شهدوا تغييرات عميقة . وتحسّن مستوى عيش الشعب كثيرا وفي كل المجالات بما فيها الرعاية الصحية والإسكان والتربية ومعرفة القراءة و الكتابة . لكن أبعد من ذلك ، بدأ عبء الاستغلال والتقاليد القديمة يُرفع عن كاهل الجماهير الشعبية. وتحققت إنجازات عظيمة في جميع مجالات الحياة والمجتمع ولكن وليس بالأمر الغريب وجدت حدود ونواقص وأخطاء وبعضها راجع إلى الوضع الذى ألفي فيه الاتحاد السوفياتي نفسه دولة اشتراكية وحيدة في العالم لعدّة عقود ( حتى بعد الحرب العالمية الثانية) وبعضها يعزى لمشاكل في نظرة ومقاربة ومنهج الذين قادوا السيرورة بالخصوص ستالين . بأفق تاريخي ضروري وتطبيق النظرة والمنهج العلميين الماديين الجدليين وفي معارضة لإشاعة التشويهات والافتراءات التي لا تبدو لها نهاية ضد الاشتراكية والشيوعية ، يمكن ويجب أن نستخلص بوضوح بأن التجربة التاريخية للاشتراكية في الاتحاد السوفياتي ( ولدرجة حتى أكبر في الصين ، إثر إرساء الاشتراكية هناك) كانت بالتأكيد إيجابية رغم السمات السلبية التي يستحيل نكرانها ومنها جميعا يتعين أن يتمّ التعلّم بعمق . (5)
ماوتسى تونغ هو الذى قاد النضال الثوري في الصين لعقود متوجا ذلك بانتصار في المرحلة الأولى من الثورة بتأسيس جمهورية الصين الشعبية في 1949م . ولفهم الأهمية الكبرى لهذا ، ينبغي تذكر أن الحكمة التقليدية بما في ذلك في صفوف الحركة الشيوعية ، دافعت عن كون في بلد مثل الصين لا يمكن إنجاز الثورة التي ستؤدى إلى الاشتراكية وتغدو جزءا من الكفاح العالمي وهدفه النهائي الشيوعية ، بالطريقة التي انتهجتها عمليا بقيادة ماو. لم تكن الصين فحسب متخلفة وبلدا غالبية سكّانه من الفلاحين ( كان هذا صحيحا بالنسبة لروسيا أيضا، زمن ثورة 1917م ) لكن الصين لم تكن في حدّ ذاتها بلدا رأسماليا إذ هي تقع تحت سيطرة بلدان رأسمالية –إمبريالية أخرى والاقتصاد والمجتمع في الصين عموما كانا يستجيبان لأولويات الهيمنة الإمبريالية الغربية والمراكمة الرأسمالية خدمة لهؤلاء الإمبرياليين. وإلى ذلك ، الثورة التي قادها ماو في الصين لم يكن هدفها المباشر الاشتراكية بل بناء جبهة متحدة واسعة ضد الإمبريالية والإقطاعية ( والرأسمال البيروقراطي / الكمبرادوري المرتبط بالإمبريالية و الإقطاعية ) ، وتمّت هذه الثورة ليس بالبناء على المدن ، في صفوف الطبقة العاملة الصغيرة الحجم هناك، بل عبر خوض حرب ثورية طويلة الأمد ، ضمن الفلاحين في الريف الشاسع، محاصرة المدن انطلاقاً من الريف وبعد ذلك في النهاية ملحقة الهزيمة بالقوى الرجعية في معاقلها في المدن ، ممسكةً بالسلطة عبر البلاد كافة ومكملاً المرحلة الأولى من الثورة وبذلك فتحت الطريق أمام الاشتراكية.
مع ذلك ، أكّد ماو نفسه ، رغم أهمية وتاريخية الانتصار فإنه ليس سوى خطوة أولى في مسيرة طويلة والتحدّي الذى ينبغي رفعه على الفور هو التقدّم على الطريق الاشتراكي وإلا فإن الانتصارات الأولى للثورة ذاتها ستتعرّض للخسارة وستقع البلاد تحت هيمنة الطبقات المستغِلّة و القوى الإمبريالية الأجنبية مرّة أخرى. ولم تقف المسألة كلّها عند هذا الحدّ و إنما أنجزت عملية بناء اقتصاد اشتراكي وتحققت التغييرات المناسبة في المجالات الأخرى للمجتمع، و مع تلخيص ماو لهذه التجربة الأولية، توصّل إلى إدراك أنه من الضروري تطوير مقاربة مختلفة للتحويل الاشتراكي عن "نموذج" ما حصل في الاتحاد السوفياتي. وأعطت مقاربة ماو هذه مزيدا من المبادرة للشعب على المستويات القاعدية و المناطق المحلّية وبصفة خاصة شدّد ليس على التقنية ( وإن كان ماو اعترف بأهمية تطوير تقنية متقدّمة أكثر) لكن قبل كلّ شيء على المبادرة الواعية لجماهير الشعب. وبات هذا مركزا في شعار " القيام بالثورة مع دفع الإنتاج " الذى يوفّر الخطّ العام الأساسي لبناء اقتصاد على نحو يعزّز قاعدة مواصلة التقدّم في الطريق الاشتراكي وسيوطّد بصفة متبادلة التحويل الثوري لعلاقات الإنتاج والبناء الفوقي السياسي والإيديولوجي ) .
وكان كلّ هذا مرتبط وجزء من سيرورة تطوّر مساهمة ماو الأهم والأكثر حسما في قضية الثورة الشيوعية ألا وهي نظرية مواصلة الثورة في ظلّ دكتاتورية البروليتاريا نحو هدف الشيوعية وقيادة ماو لتجسيد هذه النظرية في حركة ثورية قوية للجماهير الشعبية أثناء الثورة الثقافية في الصين لعقد بدأ من أواسط الستينات .
قاطعا من جديد مع "الحكمة المنزّلة" في الحركة الشيوعية ، قام ماو بتحليل ثاقب بأنه طوال المرحلة الاشتراكية ستبقى الظروف المادية التي تشكّل خطر إلحاق الهزيمة بالثورة الاشتراكية. إن التناقضات في القاعدة الاقتصادية وفي البنية الفوقية وفي العلاقة بين البنية التحتية و البنية الفوقية للبلدان الاشتراكية ذاتها ، بالإضافة إلى التأثير والضغط و الهجمات العامة من قبل الدول الإمبريالية و الرجعية الباقية في وقت معيّن، تفرز اختلافات طبقية وصراع طبقي داخل البلد الاشتراكي، وعن هذه التناقضات تنجرّ إمكانية مستمرّة لأن يقاد المجتمع على إما الطريق الاشتراكي أو الطريق الرأسمالي ، وبشكل أكثر تحديدا ستفرز مرارا وتكرارا طبقة برجوازية طموحة ، ضمن المجتمع الاشتراكي نفسه، ستجد أكثر تعبيراتها بناءا بين الذين في الحزب الشيوعي لا سيما في أعلى مراتبه ، الذين يتبنون خطوطا وسياسات تحريفية ، والذين باسم الشيوعية عمليا يستسلمون للإمبريالية ويعيدون بناء الرأسمالية. لقد حدّد ماو هؤلاء التحريفيين ب " أناس في السلطة سائرين في الطريق الرأسمالي" وحدّد للصراع بين الشيوعية و التحريفية كتعبير مركز في البنية الفوقية، عن التناقض والصراع في المجتمع الاشتراكي بين الطريق الاشتراكي و الطريق الرأسمالي. وأقرّ ماو وشدّد على أنه طالما أن هذه الظروف المادية وانعكاساتها الإيديولوجية موجودة ،لا يمكن أن يوجد ضمان ضد القوى المضادة للثورة وإعادة بناء الرأسمالية، و لا وسائل بسيطة وسهلة لمنع ذلك، و لا حلّ سوى مواصلة الثورة لتقليص وفي النهاية ، مع تقدّم الثورة عبر العالم بأسره، اجتثاث اللا مساواة الاجتماعية والبقايا الأخرى للرأسمالية التي تفرز هذا الخطر والقضاء عليها.
مجدّدا ، من الصعب المبالغة في أهمية هذا التحليل النظري لماو، هذا التحليل الذى أوضح كما كبيرا من البلبلة حول وجود وسبب وجود خطر إعادة بناء الرأسمالية في المجتمع الاشتراكي والذى وفّر توجّها جوهريا لاستنهاض الجماهير للتقدم على الطريق الاشتراكي في معارضة للقوى التحريفية التي كان توجهها وكانت ممارساتها تقود بالضبط إلى مثل إعادة بناء الرأسمالية هذه. لقد كانت الثورة الثقافية في الصين التجسيد الحي لمثل هذا الاستنهاض الثوري الشعبي الذى في أتونه عشرات ومئات الملايين من الناس ناقشوا وصارعوا حول مسائل خاصة بشكل حاسم باتجاه المجتمع والثورة العالمية. لعشر سنوات ، نجحت هذه الانتفاضة الشعبية في إيقاف ووضع في موقع الدفاع قوى إعادة بناء الرأسمالية بمن فيها موظفون سامون في الحزب الشيوعي الصيني مثل دنك سياو بينغ. لكن إثر فترة وجيزة من وفاة ماو في 1976 ، أفلحت هذه القوى التي كان على رأسها ، في النهاية وفي الخفاء دنك سياو بينغ، أفلحت في تنفيذ انقلاب مستعملة الجيش وأجهزة أخرى تابعة للدولة لقمع الثوريين وقتل الآلاف وسجن آخرين وشرعت في إعادة بناء الرأسمالية في الصين. فكان هذا لسوء الحظّ إثباتا حيّا للخطر الملموس الذى أشار إليه ماو بدقّة والذى حلّل قاعدته تحليلا ثاقبا (6) .
3/ نهاية مرحلة , وما هي الاستنتاجات التي يمكن استخلاصها من هذه التجربة
التاريخية :-
مع الانقلاب التحريفي وإعادة بناء الرأسمالية في الصين ، عقب صعود التحريفيين إلى السلطة في الاتحاد السوفياتي ، قبل عشرين سنة ، (7) انتهت الموجة الأولى من الثورة الشيوعية. في اللغة الأساسية والسهلة " لدستور" حزبنا :" مضت الآن عقود على مسك البروليتاريا الثورية السلطة في أي بلد ، ومهما كانت المسميات ،لاوجود اليوم لدولة اشتراكية."
زيادة على ذلك، هذه النكسة التي عرفتها الاشتراكية وقضية الشيوعية ( انهيار الاتحاد السوفياتي بعد فترة طويلة من توقفه فعليا عن كونه بلدا اشتراكيا ) ، أدت إلى تناحرت الحيتان بين القوى الرجعية التي لطالما كرهت في أعماق أعماقها القاسية الثورة الشيوعية و التحويل الراديكالي للمجتمع الذى يجسدها ، و التي عملت باستمرار بكافة الوسائل المتاحة لها للمساهمة في إلحاق الهزيمة بهذه الثورة وتحطيمها . لقد زادوا في بذل الجهود ليهيلوا أكثر ما أمكن لهم من الأوساخ على الشيوعية وما تمثله من تغيير تحرّري للمجتمع ، التزييف والافتراء على هذه الثورة في هجوم إيديولوجي بلا هوادة ، في محاولة لجعلها لا تنهض مجدّدا أبدا ، مدّعين ان النظام الرأسمالي قد انتصر بصورة غير قابلة للنقض ومصوّرين حلم عالم أفضل مختلف راديكاليا وتحديدا الثورة الشيوعية الهادفة لتحقيق ذلك العالم ككابوس ومصوّرين الكابوس الحقيقي واللانهائي للنظام القائم كأرقى تجسيد للإمكانيات البشرية.
تصوّروا وضعا يكون فيه الأصوليين المسيحيين المؤمنون بفكرة الخلق قد استولوا على السلطة ، في أكاديميات العلم وفي المجتمع ككلّ ومضوا في قمع معرفة نظرية التطوّر . تصوّروا أنهم يمضون بعيدا إلى حدّ إعدام وسجن أبرز العلماء والأساتذة الذين أصرّوا على تدريس نظرية التطوّر ونشر معرفتها شعبيا وأنهم يزدرون وينتهكون الحقيقة العلمية الراسخة للتطوّر ويشجبونها ويسخرون منها كنظرية خاطئة وخطرة تناقض "الحقيقة" المشهورة في قصة الخلق التوراتية والأفكار الدينية عن "قانون الطبيعة"و "النظام المنظّم إلاهيا. ولمواصلة المقارنة ، تصوّروا أن في هذا الوضع عديد المثقفين "ذوى النفوذ" وآخرين يتبعونهم في صحوتهم يقفزون إلى عربة " لم يكن ساذجا فحسب بل إجراميا اعتقاد أن التطوّر كان نظرية علمية موثقة بشكل جيّد وإجبار الناس على الاعتقاد في ذلك"ويصرّحون "الآن بإمكاننا أن نرى "الحكمة المشتركة" التي لا يضعها أحد موضع تساؤل (لذا لماذا علينا إثارة التساؤل حولها؟) و أن التطوّر يجسّد نظرة للعالم ويقود إلى أعمال كارثية بالنسبة للبشرية. لقد ضلّلنا الذين بثقتهم المتغطرسة روّجوا هذا المفهوم. يمكننا رؤية أن كل شيء موجود أو وجد لم يكن ليولد لولا اليد المرشدة ل "مصمّم ذكيّ". وأخيرا ، تصوّروا أن في هذا الوضع ، حتى العديد من الذين قد كانت لهم معارف أفضل صاروا في حيرة ومحبطين وأجبروا على الإذعان والصمت إذا لم يرتبطوا ، بصوت خافت أو عالي ، بجوقة الاستسلام و الشجب.
الهزيمة المؤقتة للاشتراكية ونهاية المرحلة الأولى من الثورة الاشتراكية عدّة سمات وانعكاسات على هذا الوضع. وادت فيما أدّت إليه إلى تقليص الرؤى والأحلام : حتى في صفوف العديد من الناس الذين كانوا قد عرفوا الصورة أفضل وكانوا قد ناضلوا بصورة أرقى ، أدت على المدى المنظور إلى قبول فكرة أن (في الواقع وعلى الأقلّ المستقبل المنظور) لا يمكن أن يوجد بديل للعالم كما هو ، في ظلّ الهيمنة الإمبريالية وهيمنة مستغَّلين آخرين وأن أفضل ما يمكن للمرء أن يحلم به ويعمل من أجله هو بعض التعديلات الثانوية داخل إطار التأقلم مع هذا النظام وأن أي شيء آخر وخاصة محاولة إحداث تمزيق ثوري لحدود هذا النظام، بغاية صنع عالم مختلف راديكاليا ، عالم شيوعي ، غير واقعية وتنزع لجلب كارثة عظيمة.
وفي نفس الوقت ، في "الفراغ" الذى أحدثه الانقلاب على الاشتراكية والنكسات للشيوعية ومع تواصل وحتى تفاقم النهب الإمبريالي بكل ما يعنيه ذلك من انتفاضات وفوضى واضطهاد لبلايين الناس في كافة أنحاء العالم . ونمو الأصولية الدينية وتعبيراتها المنظمة في عديد من مناطق العالم ، بما في ذلك ضمن المضطهَدين للغاية. اللصوص الإمبرياليون والقتلة والأصوليون الدينيون المتعصبون ، الأولون الأقوى و المحدثين لأكبر الأضرار وبقيامهم بهذا يعطون مزيدا من الدفع للآخرين ، لكن كلاهما يمثّل حجابا أسود ، وقيودا حقيقية جدا واستعباد وفرض للجهل ويعزّز كل منهما الآخر حتى حين يعارض الواحد الآخر .
لكن هذا لم يتخلص من الحقيقة ، حقيقة الوضع العالمي ففي ظلّ هيمنة هذا النظام الرأسمالي –الإمبريالي والرعب اليومي الذى يعنيه بالنسبة للغالبية العظمى من البشرية أو واقع ما تمثله الشيوعية فعلا بالنسبة للإنسانية وإمكانية إنجاز اختراقات جديدة وتقدّم على طريق الثورة الشيوعية.
حين نرى بنظرة فاحصة ومنهج علمي ، التجربة الغنية للبلدان الاشتراكية والمرحلة الأولى من الثورة الشيوعية ، يمكن أن نرى إن المشكلة ليس كما كانوا يكررون ، إن الثورة الشيوعية بمحاولتها التخلّص من الرأسمالية كانت تبحث دون جدوى تجاوز الغريزة الثابتة , التي لا تتبدّل والتي تجعل الناس يهتمون بالمصالح الأنانية كحافز " أدنى" ، حافز يتعيّن أن يكون المبدأ المرشد والموجه للمجتمع الإنساني ، خشية أن تنتهك "الطبيعة الإنسانية " وبالتالي يدفع المجتمع نحو الكارثة ويخضع الناس للاستبداد. المشكل كان أن هذه الثورة بينما جلبت تغييرات عميقة في الظروف ولدى الناس ، نتيجة المبادرة المتصاعدة في وعي الناس الذين تبنوا وجهة النظر الشيوعية فإنها لم تحدث في فراغ وبأناس " أنقياء " بل في ظروف وبأناس نشأوا ضمن المجتمع القديم وب"بقايا" ذلك المجتمع (وآلاف السنين في ظل عادات تجسد وتبرّر علاقات الاستبداد بين الناس). والمجتمع الاشتراكي الجديدة الذي ولد تحت هذه الثورات وجدت في عالم ما زالت تهيمن عليه الإمبريالية ذات السلطات التي مازالت ذات قوة هائلة في المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية .
وكما فهم ماركس ولينين في الاساس , وكما اكتشف وشرح ذلك ماو بصورة أكمل ، إن الاشتراكية ليست هدفا في حدّ ذاته وإنما هي مرحلة انتقالية إلى الشيوعية ، التي يمكن بلوغها ليس في بلد معين وإنما على النطاق العالمي ، وذلك بالإطاحة بالطبقات الرجعية الحاكمة , وبالقضاء على جميع العلاقات الاستغلالية والاضطهادية في كلّ مكان. وفي هذه المرحلة الانتقالية من الاشتراكية ، سوف تظل الدول الرجعية في الوجود لبعض من الوقت , وتواصل تطويق وتهديد الدول الاشتراكية التي ولدت , ويتجلى ذلك في بقايا المجتمع القديم ، في علاقات الإنتاج والعلاقات الاجتماعية و البنية الفوقية السياسية والإيديولوجية والثقافية ضمن المجتمع الاشتراكي ، حتى وإن أدى التقدّم في الطريق الاشتراكي إلى تقليص هذه البقايا وتحويل جوانب هامة منها باتجاه الهدف النهائي ، الشيوعية ...لكلّ هذا تظلّ إمكانية أن يمسك الماضي الذى لم يمت بعدُ و لا زال قويا، دفّة المجتمع وتوجهه إلى الخلف. باختصار لهذه الأسباب يظلّ قائما خطر إعادة بناء الرأسمالية طوال المرحلة الانتقالية الاشتراكية ويمكن الكفاح ضد هذا وإلحاق الهزيمة به فقط بمواصلة الثورة ، داخل البلد الاشتراكي ذاته والقيام بذلك يعد جزء من دعم وتشجيع الثورة الشيوعية عبر العالم .
الانقلاب على الاشتراكية وما هو تم حقا , بإعادة بناء الرأسمالية في الاتحاد السوفياتي والصين لم يكن مسألة "ثورة أكلت أبناءها" ... أو مسألة "ثوريين شيوعيين متآمرين تحولوا إلى طغاة مستبدين" لماّ وصلوا إلى السلطة..." قادة بيروقراطيين ، متحصنين في السلطة مدى الحياة ، يخنقون الديمقراطية (البرجوازية)، أو " نتيجة حتمية لتأبيد تنظيم المجتمع التراتبي" أو أي من الأفكار الخاطئة ... واللا علمية والتي لا يتوقف الترويج لها هذه الأيام لمهاجمة الشيوعية.
إن الذين هزموا الثورة في الاتحاد السوفياتي وفي الصين كانوا بالفعل أناسا في المراتب القيادية في الحزب الثوري والدولة ، لكن لم يكونوا مجموعة لا وجه لها ولا طبقة ، بيروقراطيين مهووسين بالسلطة لأجل مصلحتهم الخاصة. مثلما وصفهم ماو ، هم أناس "في السلطة أتباع الطريق الرأسمالي". كانوا يمثلون لا الشيوعية بل الرأسمالية وبصفة خاصة بقايا الرأسمالية التي لم يتمّ بعدُ كليا اجتثاثها وتجاوزها ولم يكن ذلك ليحدث على المدى القريب وضمن حدود بلد اشتراكي الواحد .
في الحقيقة هؤلاء التحريفيين كانوا قيادات عليا في الحزب وجهاز الدولة لا يكشف نوعا من العيب الجوهري في الشيوعية أو في الثورة الشيوعية أو المجتمع الاشتراكي كما تشكّل إلى الآن . إنه لا يشير إلى الحاجة للبحث عن طرق وأنماط أخرى تماما لصنع عالم جديد راديكالي . فأسباب هذه الانقلابات على الاشتراكية عميقة ومتسقة مع فهم شيوعي علمي للمجتمع وبوجه خاص للاشتراكية كمرحلة انتقالية من الرأسمالية إلى الشيوعية : إنها تكمن في التناقضات التي في جوانب هامة منها موروثة من المجتمع القديم الذى تمّت الإطاحة به غير أن هذه المظاهر والتأثيرات لم يجر تحويلها بعد تحويلا تاما. وهذه التناقضات بما فيها التناقضات بين العمل الفكري والعمل اليدوي ، المرتبطة بتقسيم المجتمع إلى طبقات وشكلت هي نفسها تقسيما كاملا وعميقا في كافة المجتمعات التي تحكمها الطبقات الاستغلالية ، تفرز الحاجة إلى طليعة شيوعية منظمة لقيادة الثورة ، وليس فقط الإطاحة بالنظام الرأسمالي ولكن من ثم مواصلة الثورة في ظل المجتمع الاشتراكي وفي نفس الوقت تفرز خطر خيانة الثورة والانقلاب عليها من قبل أناس في مواقع قيادية في صفوف الطليعة . ونظرا للتطوّر التاريخي الحالي للمجتمع الإنساني والطرق الممكنة للتغيير الآن ( لنتذكّر المقارنة بنظرية التطوّر في العالم الطبيعي والعلاقة بين الضرورة والتغيير ، مسألة البدائل الفعلية ، في العالم الواقعي ، إذا ما كنّا نروم تغييرا جذريا لهذا العالم ، بغية اجتثاث الاستغلال والاضطهاد والقضاء عليهما . ) ليس قيادة مقابل لا قيادة ،او ديمقراطية مقابل لاديمقراطية أو دكتاتورية مقابل لا دكتاتورية ، وإنما هي مسألة طريق اشتراكي أم طريق رأسمالي، مسألة قيادة تتخذ توجها أم آخر ، ديمقراطية ودكتاتورية في خدمة تعميق نوع أو آخر من النظامين، باتجاه تعزيز وتأبيد الاستغلال والاضطهاد أو باتجاه القضاء عليهما في النهاية وبذلك في الأخير القضاء على الحاجة لحزب طليعي أو دولة عندما تتوفر الظروف المادية والإيديولوجية التي تجعل ذلك ممكنا مع انتصار الثورة الشيوعية عبر العالم قاطبة. (8)
ملخص هذه النقطة هو أن المرحلة الأولى من الثورة الشيوعية مضت بعيدا ، وحققت أشياء ملهمة لا تصدّق ، النضال من أجل تجاوز العراقيل الواقعية حقا التي واجهتها وفي التقدّم صوب عالم حيث سيتمّ في النهاية القضاء على العلاقات الاستغلالية والاضطهادية وسيتمتّع الناس ببعد جديد من الحرّية وسيأخذون على عاتقهم وسينجزون تنظيم ومواصلة تغيير المجتمع في كافة أنحاء العالم ،بمبادرة واعية وطوعية غير مسبوقة في تاريخ البشرية. لكن ليس بالأمر الغريب أن وجدت أيضا نواقص هامة وأخطاء حقيقية وأحيانا أخطاء جدّية للغاية ، في كلّ من الخطوات العملية التي اتخذها قادة تلك الثورات والمجتمعات الجديدة التي ولدت وفي مفاهيمهم ومناهجهم. وهذه النواقص والأخطاء ليست سبب هزائم المحاولات الأولى للثورة الشيوعية لكنّها ساهمت وإن كان بصورة ثانوية في تلك الهزائم وأبعد من ذلك كلّ هذه التجربة للمرحلة الأولى بكلّ من إنجازاتها الملهمة حقّا وأخطاءها ونواقصها الحقيقية جدّا وأحيانا الجدّية جدّا، حتى وإن كانت عموما ثانوية ، ينبغي التعلّم منها بعمق من كلّ الجوانب لأجل إنجاز الثورة الشيوعية في الوضع الجديد الذى ينبغي أن نواجهه والقيام بما هو أفضل هذه المرّة.
4/ التحديات الجديدة والاستنتاج الجديد:-
عندما استولى التحريفيون على السلطة في الصين سنة 1976 وطفقوا يعيدون بناء الرأسمالية ، ولفترة من الزمن لم يواصلوا فقط التظاهر بأنهم شيوعيون بالمعنى العام بل ادعوا كذلك بصفة خاصة أنهم يواصلون السير على هدي خطّ ماو وتراثه الثوري . في تلك الوضعية ما كان الشيوعيون عبر العالم في حاجة إليه حقا هو الحفاظ على روح ومقاربة نقديتين وتحديد هدف وإنجاز تحليل علمي لما كان قد حصل عمليا والتمييز بين الشيوعية والرأسمالية، بين الماركسية والتحريفية كما وجدوا و كما جرى التعبير عنهما في تلك الظروف الملموسة المعقدة. حينها لم يكن من اليسير القيام بذلك الأمر وجلّ الشيوعيين في العالم الذين نظروا للصين الماوية كنموذج ومشعل ثوريين أخفقوا في القيام بذلك، وبالتالي اتبعوا عن عمى حكام الصين الجدد التحريفيين وسلكوا طريقا يؤدى إلى المستنقع , أو تخلوا بشكل آخر عن نظرة الثورة الشيوعية وأهدافها.
استجابة للحاجة الماسة ورفضا لمسايرة ما حدث في الصين ببساطة لأنه يحدث باسم الشيوعية وباستغلال السمعة العظيمة التي تمتّعت بها الصين الثورية وتمتع بها ماو بصفة خاصة في صفوف الثوريين والشيوعيين عبر العالم ( وبكلفة انشقاق كبير داخل حزبنا) تصدّى بوب آفاكيان لمهمّة إنجاز تحليل علمي لما حدث في الصين ولماذا حدث صارع من أجل فهم أن انقلابا تحريفيا حدث في الصين وأن إعادة بناء الرأسمالية تمّت فعلا. وإلى جانب ذلك قدّم عرضا منهجيا لمساهمات ماو في تطوير علم واستراتيجيا الثورة الشيوعية.(9) في زمن اضطراب كبير ويأس وفوضى في صفوف "الماويين" عبر العالم ، لعب عمل بوب آفاكيان هذا دورا حاسما في بناء القاعدة الإيديولوجية و السياسية لتجميع الشيوعيين الباقين عقب خسارة الصين والتأثيرات المدمّرة لذلك على الحركة الثورية والشيوعية في كافة أنحاء العالم.
لكن برزت حاجيات أعظم حتى الآن. وبينما كان يقود حزبنا بوب آفكيان خلال الثلاثين سنة الماضية واصل تحليله العلمي العميق لتجربة الحركة الشيوعية العالمية وللمقاربة الاستراتيجية للثورة الشيوعية. وأفرز هذا العمل ظهور استنتاج جديد ، تطوير الإطار النظري لإنجاز هذه الثورة.
ومثلما يشير دستور حزبنا ، الوضع العالمي الراهن بما في ذلك هزيمة الموجة الأولى من الثورة الشيوعية " يبرز من جديد الحاجة الملحّة للشيوعية " و " بينما لا توجد أية دولة اشتراكية في العالم ، هناك تجربة الثورات الاشتراكية وهناك جملة الأعمال الغنية لنظرية العلمية التي تطوّرت خلال الموجة الأولى من الثورات الاشتراكية وعليها نشيّد الصرح الجديد. بيد أن نظرية وممارسة الثورة الشيوعية يتطلبان التقدّم لمواجهة تحدّيات هذا الوضع و التعاطي علميا مع التجربة العامة للموجة الأولى من الثورة الاشتراكية والانعكاسات الاستراتيجية للتغيرات الواسعة التي تحدث في العالم واستخلاص الدروس الضرورية من كلّ ذلك.
لقد اضطلع بوب آفاكيان بهذه المسؤولية وطوّر جملة من الأعمال والمنهج و النظرة الشيوعيين تستجيب لهذه الحاجيات والتحدّيات الكبرى."
وفي عمق هذه الأعمال والمنهج و المقاربة ، في هذا الاستنتاج الجديد الذى أنجزه بوب آفاكيان ،هناك تشابه مع ما قدّمه ماركس في بداية الحركة الشيوعية ، هناك بناء في الظروف الجديدة الموجودة ، إثر نهاية المرحلة الأولى من الثورة الشيوعية لإطار نظري لتجديد تقدّم تلك الثورة. لكن اليوم ، وبهذا التوليف /التلخيص الجديد ، بالتأكيد ليس الأمر مسألة "عود على بدء" كما لو أن ما يدعى إليه يرمى إلى التخلي عن كلّ من التجربة التاريخية للحركة الشيوعية و المجتمعات الاشتراكية التي ولدتها و "جملة الأعمال الغنية للنظرية الثورية العلمية " التي تطوّرت في خضم هذه التجربة الأولى. ستكون هذه مقاربة غير علمية وفعلا رجعية. بالأحرى ، المطلوب – وما قام به بوب آفاكيان- هو البناء على كل ما حدث قبلا ،نظريا وعمليا- واستخلاص الدروس الإيجابية و السلبية من ذلك ورفع هذا إلى مستوى استنتاج جديد و أرقى.
في منشورات وأدب حزبنا توفر نقاش أشمل وأكثر منهجية لهذا الاستنتاج الجديد(10). وهنا باختصار سنلقى الضوء على بعض أهمّ عناصره :
من الناحية الفلسفية والمنهجية ، يعيد هذا الاستنتاج الجديد في معناه الأساسي ، بناء الماركسية على أكمل وجه على جذورها العلمية. إنه يعنى أيضا التعلّم من التجربة التاريخية الغنية منذ زمن ماركس ، مدافعا عن الأهداف و المبادئ الجوهرية للشيوعية ،التي ثبت أنها صحيحة أساسا ، وناقدا ونابذا المظاهر التي ثبت أنها خاطئة أو لم تعد قابلة للتطبيق ومؤسسا شيوعية على أساس علمي أتمّ وأداخل.
في المفهوم الأصلي للتطوّر التاريخي للمجتمع الإنساني نحو الشيوعية ، حتى كما صاغه ماركس ، وجدت نزعة ، وإن كانت بالتأكيد نزعة ثانوية ، نحو نظرة نوعا ما ضيقة وخطّية. وتجسّد هذا مثلا في مفهوم " نفي النفي" ( نظرة أن الأشياء تسير بطريقة بحيث أن شيءا معينا ينفيه شيء آخر بدوره يؤدى إلى نفي أعمق ويتضمّن عناصر من الأشياء السابقة لكن الآن على مستوى أعلى ) .
وهذا المفهوم استعير من النظام الفلسفي الهيجلي الذى مارست فلسفته تأثيرا هاما على ماركس (وإنجلز) حتى حينما ، أعادوا في الأساس صياغتها وركزوا نظرة هيجل الجدلية على قاعدة مادية ، هذه النظرة الهيجلية المتميزة بالمثالية الفلسفية ( نظرة أن التاريخ في جوهره كشف للفكرة). كما جادل بوب آفاكيان ، " نفي النفي " يمكن أن ينزع نحو "الحتمية" كما لو ان الشيء حتما سينفيه شيء آخر على نحو معيّن ، مؤديا لما هو تقريبا تلخيص محدّد سلفا. وحين يطبّق على البحث في تاريخ المجتمع الإنساني ، بطريقة تجعله ببساطة مركّبا (مثل صيغة : مجتمع بدائي (مشاعي) خال من الطبقات ينفيه مجتمع طبقي بدوره سينفيه ظهور مجدّدا لمجتمع خال من الطبقات ، لكن الآن على أساس أرقى، ببلوغ الشيوعية عبر العالم) فإن النزعة نحو الاختزالية في ما يتصل بالتطوّر التاريخي للمجتمع الإنساني المعقّد للغاية و المتنوّع ، النزعة نحو "نظام مغلق" ونحو "الحتمية" تبدو أوضح وإشكالية .
ومن جديد ، كان هذا نقيصة ثانوية في الماركسية عند تأسيسها ( وكما جادل بوب آفاكيان كذلك : " الماركسية ،الشيوعية العلمية، لا تجسّد وفي الحقيقة بل ترفض كل مفهوم ..لاهوتي بأن هناك نوعا من الإرادة و الغاية وفقهما تسير الطبيعة أو يسير التاريخ" (11) . لكن مثل هذه النزعات أكدت نفسها بالكامل مع تطوّر الحركة الشيوعية وصارت ضارة بشكل خاص ومارست تأثيرا سلبيا ، على تفكير ستالين الذى بدوره أثّر على نظرة ماو الفلسفية حتى حين نبذ ماو وقطع إلى حدود هامّة مع نزعات ستالين نحو "الجمود" والمادية الميكانيكية، نوعا ما ميتافيزيقية. والاستنتاج الجديد لبوب آفاكيان يجسّد مواصلة لقطع ماو مع ستالين لكن أيضا في بعض جوانبه قطيعة أبعد بما تأثّر به ماو ذاته، حتى وإن ثانويا، من ما صار نمط التفكير في الحركة الشيوعية في ظلّ قيادة ستالين.
الأممية:
في بداية الثمانينات ، في عمله "غزو العالم ؟" (12) قام بوب آفاكيان بنقد واسع لتيارات خاطئة في تاريخ الحركة الشيوعية ، وبصفة خاصة ، التوجّه نحو القومية ، نحو فصل النضال الثوري في بلد معيّن وحتى رفعه فوق النضال الثوري من أجل الشيوعية عبر العالم. وقد فحص طرق تمظهر هذه النزعة ذاتها في كلّ من الاتحاد السوفياتي والصين ، لما كانتا بلدين اشتراكيين والتأثّر الذى مارسته على الحركة الشيوعية بصورة أوسع وضمن ذلك أحيانا تحركات واضحة لإلحاق النضال الثوري في البلدان الأخرى بحاجيات الدولة الاشتراكية القائمة
( أولا في الاتحاد السوفياتي ، ثم في الصين لاحقا ). فضلا عن هذا أجرى آفاكيان تحليلا أعمق للقاعدة المادية للأممية ولماذا في النهاية وبمعنى شامل ، المجال العالمي هو الأكثر حيوية ، حتى بمعنى ثورة في أي بلد معيّن، لا سيما في هذا العصر الرأسمالي- الإمبريالي كنظام استغلال عالمي ، وكيف أن هذا الفهم يجب أن يدمج في نظرة الثورة ، في بلدان معيّنة وكذلك على النطاق العالمي.
بينما كانت الأممية دائما مبدأ جوهريا في الشيوعية منذ بداية تأسيسها ، فإن آفاكيان لخّص الطرق التي كانت موضع مساومة خاطئة في تاريخ الحركة الشيوعية وكذلك عزّز الأساس النظري لخوض هذا الصراع لتخطّى مثل هذه الإنحرافات عن الأممية ولإنجاز الثورة الشيوعية بطريقة أممية صريحة.
حول طبيعة دكتاتورية البروليتاريا و المجتمع الاشتراكي كمرحلة انتقالية نحو الشيوعية . بينما تشرّب بعمق وتعلّم من ودافع بحزم عن ونشر المساهمات العظيمة لماو بصدد طبيعة المجتمع الاشتراكي كمرحلة انتقالية إلى الشيوعية والتناقضات والنضالات التي تميّز هذه المرحلة الانتقالية والتي بحلّها ، في اتجاه أو آخر ، تكون حيوية للتقدّم صوب الشيوعية أو العودة إلى الرأسمالية، أقرّ بوب آفاكيان وشدّد على الحاجة لدور أعظم للمعارضة وتبنى أكبر للخميرة[بمعنى الصراعات] الفكرية ومجال أوسع للمبادرة والإبداع في الفنون في المجتمع الاشتراكي. ونقد نزعة "تحويل الشيء في الذهن إلى شيء خارج الذهن"، نزعة تحويل البروليتاريا ومجموعات المستغَلين الآخرين (أو المستغَلين سابقا في المجتمع) ، نزعة ترى أناسا معينين في تلك المجموعات كأفراد ، كممثلين لأوسع مصالح البروليتاريا كطبقة والنضال الثوري الذى يتناسب مع المصالح الجوهرية للبروليتاريا ، بالمعنى الأشمل. وقد ترافق هذا بنظرات ومقاربات ضيقة ، براغماتية وتجريبية تحدّد ما هو فعّال أو ما يمكن تحديده (أو إعلانه) على أنه حقيقة بما يرتبط بالتجارب والنضالات المباشرة التي تشارك فيها جماهير الشعب وبالأهداف الفورية للدولة الاشتراكية وحزبها القائد ، في كلّ وقت معيّن. وهذا بدوره دفع هذه النزعات التي كانت عنصرا مميّزا للاتحاد السوفياتي وكذلك للصين لمّا كانا اشتراكيين باتجاه مفهوم "الحقيقة الطبقية"، التي هي بالفعل تتعارض مع الفهم العلمي بأن الحقيقة موضوعية ولا تتغيّر وفقا لمختلف المصالح الطبقية، و لا تعتمد على النظرة الطبقية التي يحملها الباحث عن الحقيقة. إن النظرة والمنهج الشيوعيين العلميين ، لو استوعبا وطبّقا كعلم حيّ وليس كدوغما ، لوفّرا ،بمعنى عام ،الوسيلة الأكثر اتساقا ومنهجية وشمولية للتوصّل إلى الحقيقة لكنها ليست نفس الشيء وقول إنّ للحقيقة ذاتها طابعا طبقيا أو أن الشيوعيين سيتوصلون للحقيقة فيما يتعلّق بالظواهر المعنية ، بينما الناس الذين لا يطبقون أو حتى الذين يعارضون النظرة والمنهج الشيوعيين ليسوا قادرين على بلوغ حقائق هامّة. ومثل هذه النظرة " للحقيقة الطبقي" التي وجدت إلى درجات مختلفة وبأشكال متنوعة داخل الحركة الشيوعية نظرة مادية اختزالية وجلفة وتذهب ضد وجهة النظر والمنهج العلميين الفعليين للمادية الجدلية.
وكجزء من الاستنتاج الجديد ، نقد بوب آفاكيان وجهة النظر الأحادية الجانب في الحركة الشيوعية تجاه المثقفين نحو رؤيتهم فقط مشكل والإخفاق في الاعتراف الكامل بالطرق التي يمكن ان تساهم في السيرورة الغنية التي سيصل بها الناس في المجتمع ككل إلى فهم أعمق للواقع وقدرة أشدّ على الصراع المتزايد الوعي لتغيير الواقع صوب الشيوعية.
ومن جديد ، كما يشرح ذلك دستور حزبنا :
" ويشمل الاستنتاج الجديد تقديرا عظيما للدور المهمّ للمثقفين والفنانين في كل هذه السيرورة في متابعة رؤاهم الخاصة وكذلك في مساهمة أفكارهم في الخميرة الأوسع كلها – وكل هذا مجدّدا ،ضروري للحصول على سيرورة أغنى بكثير...
باختصار، في هذا الاستنتاج الجديد الذى طوّره بوب آفاكيان ، ينبغي أن يوجد اساس داخل يتمتّع بالكثير من المرونة. وهذا قبل كلّ شيء ، منهج ومقاربة ينطبق بصورة واسعة جدا...وإدراك جلي للمظهرين [اللبّ الداخل و المرونة] وترابطهما ،ضروري في فهم الواقع وتغييره، في جميع المجالات وحاسم في إنجاز تغييرات ثورية في المجتمع الإنساني...
تطبيق مقاربة الاساس الداخل والمرونة يتضمن الحاجة لأساس قيادي ذو ادراك واسع وجلي للدكتاتورية البروليتاريا يهدف إلى مواصلة الثورة الاشتراكية كجزء من النضال الأممي ومصمم على مواصلة هذا الصراع عبر جميع المنعرجات والالتواءات. وفي نفس الوقت ، سيوجد بالضرورة أناس وتيارات متنوعة في المجتمع الاشتراكي يدفعون نحو اتجاهات مختلفة وكلّ هذا يمكن في النهاية أن يساهم في سيرورة بلوغ الحقيقة وبلوغ الشيوعية. وسيكون هذا شديدا أحيانا وصعوبة تبنّى كل هذا (بينما ما زالت تقاد كافة السيرورة الشاملة باتجاه الشيوعية) ستكون شيئاً مثل الذهاب ،على حدّ قول بوب آفاكيان، إلى عملية التفكيك و التركيب مرارا وتكرارا وكلّ هذا عسير لكنه ضروري وهو سيرورة مرحّب بها."
وكهدف موجد لكل هذا ،شدّد آفاكيان على توجّه "محرّرو الإنسانية" : الثورة التي يجب القيام بها والتي يجب أن تكون الجماهير القوّة الدافعة الواعية فيها ، لا تتعلّق بالانتقام ولا بتغيير في الواقع داخل إطار ضيّق ( "الأول يصبح الأخير والأخير يصبح الأول") وإنما هي تتعلّق بتحويل العالم بأسره حتى لا يوجد أناس هم "الأولون" وآخرون هم الأخيرون " ، فالإطاحة بالنظام القائم وإرساء دكتاتورية البروليتاريا ومواصلة الثورة في هذه الظروف غرضه كله وهدفه هو القضاء على كافة الانقسامات الإضطهادية والعلاقات الاستغلالية ضمن البشر و التقدّم لعصر جديد تماما في تاريخ الإنسانية.
المقاربة الاستراتيجية للثورة :
أعاد الاستنتاج الجديد لآفاكيان بناء أرضية العمل الشيوعي وأثرى الفهم الأساسي اللينيني لحاجة جماهير الشعب لتطوير الوعي الشيوعي ليس فقط ولا رئيسيا عبر تجربتها الخاصة وصراعاتها المباشرة لكن أيضا عبر الفضح الشامل لطبيعة وملامح النظام الرأسمالي الإمبريالي و توضيح قناعات وأهداف ونظرة ومنهج الشيوعية التي يقدّمها للجماهير بطريقة منهجية وشاملة عبر حزب طليعي ، رابطاً الكفاح في وقت ومُوجّهاً إياه نحو الهدف الاستراتيجي الثوري ، بينما كذلك "يعرض أمام الجماهير" المسائل والمشاكل الأساسية للثورة ويشركها في صياغة وسائل معالجة هذه التناقضات والتقدّم بالكفاح الثوري. بقيادة بوب آفاكيان ، التوجّه الاستراتيجي الجوهري الضروري لإنجاز العمل الثوري وظهور شعب ثوري ،بالملايين والملايين و ثمّ اغتنام الفرص حين تتوفّر في النهاية ( والقدرة على القتال والكسب في هذه الظروف) وتتطوّر وتواصل من التطوّر ارتباطاً بهذا ، ( راجع "الثورة و الشيوعية : الأسس والتوجّه الاستراتيجي " كتيب "الثورة" 2008 م )
كلّ هذا يفنّد تفنيدا حيّا الذين يجادلون بأن الثورة ليست ممكنة في البلدان الإمبريالية أو أن جهود الشيوعيين العملية و النظرية يجب أن تنصب هناك على النضال من أجل إصلاحات و"حلول" للمشاكل المباشرة للجماهير ، بطريقة تقطع مع الأهداف الثورية والنظرة الشيوعية ، والتي ستؤدى ، في الواقع ، إلى الابتعاد عن ذلك طالما أن تأثيرات جماهير الشعب ستقودها إلى طريق مسدود ، طريق الإحباط وفي الأخير إلى التأقلم مع النظام الإضطهادي القائم.
وفي نفس الوقت ، طوّر هذا الاستنتاج الجديد ، فإن التوجه الاستراتيجي الجوهري للثورة في البلدان الإمبريالية مثل الولايات المتحدة الأمريكية ، فإن آفايكان لفت الانتباه أيضا إلى التحدّيات الجديدة للنضال الثوري ، و الحاجة إلى مزيد تطوير الاستراتيجية الثورية ، في البلدان التي تهيمن عليها الإمبريالية الأجنبية ، نظرا للتغيرات الكبرى في العالم ، وفي أغلب هذه البلدان ، في العقود الأخيرة.
هذا الاستنتاج الجديد في العديد من أبعاده الحاسمة (التي لم نستطع سوى تناولها باقتضاب هنا ) وضع الثورة الشيوعية على أساس علمي أداخل . ومثلما شدّد على ذلك آفاكيان ذاته :
" في غاية الأهمية هو عدم التقليل من أهمية الاستنتاج الجديد وقوّته الإيجابية الكامنة : نقد أخطاء ونواقص هامة و القطع معها بينما نقدّم ونعيد بريق ما كان إيجابيا في التجربة التاريخية للحركات الشيوعية العالمية والبلدان الاشتراكية التي وجدت إلى الآن، وبمعنى حقيقي نعيد إحياء – على قاعدة جديدة وأكثر تقدّما – قابلية نجاح وكذلك الرغبة في عالم جديد ومختلف جذريا ،و إقامة هذا على أساس أداخل من المادية الجدلية...لذا لا يتعيّن أن نستهين بإمكانية هذا كمصدر للأمل و الجسارة على قاعدة علمية داخلة." (13)
5/ الشيوعية في مفترق طرق : طليعة للمستقبل أم بقية الماضي ؟ :-
إزاء التحدّيات و الصعوبات المستمرّة في الفترة الخالية ، فتح التجميع الأولي للشيوعيين الذى حدث بعد الهزيمة في الصين ونهاية المرحلة الأولى من الثورة الشيوعية ، إلى مدى هام في المدّة الأخيرة لخلافات حادة . فمن جهة حزبنا الذى لخّص خطّه الأساسي في " دستورنا " الجديد ،سوية مع بعض الآخرين المنجذبين نحو الاستنتاج الجديد ومن جهة أخرى ، تياران معارضان سواء متعلقين دينيا بكافة التجربة السابقة و النظرية والمنهج المرتبطان بها أو (جوهريا وليس في الكلمات) متخليين عن كلّ هذا جملة و تفصيلا.
بمعنى آخر جرى توقع ذلك في إجابات "غزو العالم ؟" حين نشر لأوّل مرّة ، تقريبا قبل ثلاثة عقود من الآن. ومن ناحية أخرى وجد الذين في الحركة الشيوعية العالمية أزعجهم ما قيل في "غزو العالم ؟" مدّعين أنه قلّص تجربة الحركة الشيوعية إلى "راية مستهجنة" (وهي إجابة بحدّ ذاتها تعكس نظرة دغمائية و هشّة لما هي الشيوعية ، عِوض عن رؤيتها وإدراكها كما هي فعلا : علم ثوري نقدي حي ومتطوّر ، وإحدى مظاهره المساءلة الذاتية المستمرّة ) ومن ناحية أخرى إلى جانب الذين رحبوا ب"غزو العالم ؟" لأسباب صحيحة ، هناك الذين رحبوا فعليا به لكنهم فعلوا ذلك بنظرة ترغب في أن يشكّل وتدا يفتح الباب لنبذ التجربة التاريخية برمتها والتخلي عنها ، التجربة التاريخية التي يتطرّق لها "غزو العالم ؟" بشكل نقدي من وجهة نظر مختلفة جوهريا ، تعترف موضوعيا بأن هذه التجربة كانت مرحلة إيجابية وحققت تقدّما غير مسبوق تاريخيا بالنسبة للإنسانية ينبغي بصلابة الدفاع عنه ولكن أيضا تعترف بوجود مشاكل ونواقص وأخطاء بعضها جدّي للغاية تحتاج التعمّق فيها وتفحصها نقديا و التعلّم منها كذلك. في ذلك الوقت ، كانت هذه الردود المتضاربة بشأن "غزو العالم ؟" في حالات جنينية وضمن إطار عام من الوحدة المحدّدة بصورة واسعة. وفقط مع تطوّر الأحداث في العقود القليلة التالية ومع تجربة مواجهة مزيد من الصعوبات (بما في ذلك تراجعات في النضالات ، بدا في وقت معيّن أنها توفّر أرضية جديدة وتجسيدا لإعادة إحياء الحركة الشيوعية في العالم)، تطوّرت هذه النظرات المعارضة واحتدّت .
واليوم ، في جانب الذين يرفضون فحص التجربة التاريخية للحركة الشيوعية فحصا نقديا ، من الشائع وجود ظاهرة التأكيد على "الحقيقة الطبقية" و تحويل الشيء الداخل في الذهن إلى شيء خارج الذهن بالنسبة للبروليتاريا المرتبطة بها وعموما نظرة للنظرية و المبادئ الشيوعية كنوع من الدوغمائية ، قريب من التعاليم الدينية ، و جوهريا " نعرف كلّ ما نحتاج إليه ، لدينا جميع المبادئ المطلوبة ويتعلّق الأمر فقط بتنفيذ الحكمة الموروثة ". وفي القطب المعاكس ، أيضاً يوجد أولئك السطحيين الذين يستبعدون وبشكل خاص الأسباب والصعوبات و النكسات و الهزائم والتحليل الشيوعي العلمي للتناقضات العميقة التي ولّدت خطر إعادة بناء الرأسمالية في المجتمع الاشتراكي ، والذين يحاولون تعويض ذلك التحليل بالنظرة المستندة للمبادئ و المعايير الديمقراطية البرجوازية ومفاهيم الشرعية البرجوازية الديمقراطية المرتبطة بالسيرورة الشكلية للانتخابات وبتنافس الأحزاب السياسية ، وهو أمر شائع في المجتمع الرأسمالي ومتوافق جدّا مع ويؤدى إلى ممارسة الطبقة الرأسمالية للسلطة السياسية. والذين يتمسّكون بهذه المواقف ، حتى حينما يواصلون ادعاء لبس عباءة الشيوعية ، متلهّفون لنبذ مفهوم دكتاتورية البروليتاريا وتجربة دكتاتورية البروليتاريا و النأي بأنفسهم عنهما وفي كثير من الحالات حتى عن التلفّظ بذلك. وبالفعل ، مثل هؤلاء الناس يبحثون عن "تحرير أنفسهم" من أكثر تجربة تحرّرية في تاريخ الإنسانية إلى الآن ! ويدعون أنهم يريدون التحرّك للأمام بسرعة ، استجابة لمتطلبات الظروف الجديدة... لكن لديهم روابط مع الأدوات الخاطئة وهم يتحركون بسرعة في الاتجاه العكسي منسحبين على عجل نحو الديمقراطية البرجوازية والحدود الضيقة للحق البرجوازي (14) ، عابرين القرون من القرن الثامن عشر إلى القرن الواحد عشرين .
وفي حين أن هذه التوجهات الخاطئة التي حدّدناها هنا تتضمّن اختلافات وتناقضات في انعكاس المرآة وفي الواقع تشترك أيضا في مظاهر هامة . وفي الحقيقة تجدر الملاحظة بأنه في السنوات الأخيرة وجدت ظاهرة أن بعض المجموعات "تتقلّب" بين قطب وآخر ، لاسيما بين الدغمائية و التيارات المرتبطة بها إلى معانقة الديمقراطية البرجوازية ( وإن ظلّت تتقنّع بالشيوعية). وإليكم بعض أهمّ السمات المشتركة بين هذه التيارات :
عدم الاضطلاع أو عدم الانخراط مطلقا بأي طريقة منهجية ، في تلخيص علمي للمرحلة الأولى من الحركة الشيوعية وبوجه الخصوص للتحليل الثاقب لماوتسى تونغ لخطر وقاعدة إعادة بناء الرأسمالية في المجتمع الاشتراكي. وهكذا ، بينما قد تدافع أو قد كانت تدافع في الماضي عن الثورة الثقافية في الصين ، تفتقر إلى أي فهم حقيقي وعميق لماذا كانت هذه الثورة الثقافية ضرورية ولماذا وبأية مبادئ وأهداف أطلقها ماو وقادها. إنها تحوّل الثورة الثقافية ، في الواقع ، إلى مجرّد حلقة أخرى في ممارسة دكتاتورية البروليتاريا أو من جهة أخرى تعيد تأويلها على أنها نوع من الحركة الديمقراطية البرجوازية "المناهضة للبيروقراطية" تمثّل في جوهرها نقضا للحاجة لطليعة شيوعية ودورها القيادي المؤسساتي في المجتمع الاشتراكي ، عبر المرحلة الانتقالية إلى الشيوعية .
النزعة المشتركة لتحويل "الماوية " لمجرّد وصفة لخوض حرب الشعب في بلدان ما يسمّى بالعالم الثالث بينما تهمل مجدّدا أو تقلص أهمية أهمّ مساهمة من مساهمات ماو في الشيوعية : تطويره لنظرية وخطّ مواصلة الثورة في ظلّ دكتاتورية البروليتاريا وكافة التحليل الثري والمنهج العلمي اللذان عليهما تأسّس ذلك و اللذان جعلا تطوير تلك النظرية وذلك الخطّ ممكنا
الفلسفة الايجابية و البراغماتية و التجريبية . ومن جديد بينما يمكن أن يتخذ هذا تعبيرات متنوّعة تبعا لوجهات النظر والنظرات المتنوعة الخاصّة، فإن الشائع عندها هو ابتذال النظرية والاستهانة بها ، تحوّليها ل "مرشد للعمل" فقط بالمعنى الأضيق والأكثر مباشرة، معاملين النظرية كما لو أنها ، جوهريا ، إفراز ممارسة خاصة ومحاولين عقد مقارنة بين الممارسة المتقدّمة ( التي ، من جانب هؤلاء الناس ، تتضمّن عنصرا من التقييم الذاتي والاعتباطي ) و النظرية المتقدّمة المفترضة. إن وجهة النظر الشيوعية العلمية ،المادية الجدلية ، تؤدّى إلى فهم أن الممارسة هي مصدر ومحكّ النظرية ، لكن على عكس هذه التشويهات التجريبية الضيقة، يجب فهم هذا على أن الممارسة بالمعنى الواسع ، شاملة التجربة الاجتماعية و التاريخية الواسعة ، وليس فقط التجربة المباشرة لشخص أو مجموعة أو حزب أو أمّة. تأسيس النظرية الشيوعية ذاتها ومزيد تطويرها يبيّن ذلك بقوّة : منذ زمن ماركس ، تشكّلت هذه النظرية وأثيرت انطلاقا من جملة واسعة من التجارب ، في جملة واسعة من الحقول المختلفة وخلال تطوّر تاريخي واسع النطاق ، في المجتمع و الطبيعة. ستتحوّل مقولة أن الممارسة مصدر النظرية ومقولة " الممارسة معيار صحّة النظرية " إلى كذب عميق إن جرى تأويلها وتطبيقها بأسلوب ضيّق ، تجريبي وذاتي.
بصورة هامة للغاية ، هذه التوجهات "المتناقضة تناقض انعكاس المرآة " الخاطئة تشترك في كونها تحوّلت إلى أو انسحبت إلى نماذج من الماضي، من هذا النوع أو آخر( مع أن النماذج الخاصة يمكن أن تختلف) : إما متعلّقين بدغمائية بالتجربة الماضية للمرحلة الأولى من الثورة الشيوعية ( أو بالأحرى ، لفهم ناقص احادي الجانب وفي النهاية خاطئ) أو الانسحاب إلى مجمل العصر الماضي والثورة البرجوازية ومبادئها : عائدين إلى ما هو في الجوهر نظريات القرن الثامن عشر للديمقراطية (البرجوازية ) بقناع او باسم " شيوعية القرن الواحد وعشرين " وفي الواقع مساوين "شيوعية القرن الواحد وعشرين " هذه بديمقراطية مفترضة " نقية " أو " لا طبقية " ، ديمقراطية في الواقع ، طالما وجدت الطبقات ، لا يمكنها إلا أن تعني ديمقراطية برجوازية ودكتاتورية برجوازية (15). كل هذا في الوقت الذى يجرى فيه إهمال أو اعتبار متقادم أو نبذ كدوغمائية ( أو حصره ضمن تصنيف بلا معنى " أبجديات الشيوعية " يعترف بها بصفة مجرّدة وبعد ذلك توضع جانبا باعتبارها غير صالحة للنضال العملي) الفهم الشيوعي العلمي الجوهري الذى دفع ثمنه أصلا ومرارا و تكرارا دم بلايين المضطهَدِين منذ زمن كمونة باريس ، فهم أن الدولة القديمة ،الرجعية يجب أن تحطّم وتفكّك ويجب أن تولد دولة جديدة راديكاليا ممثّلة المصالح الثورية للمستغِلِين السابقين في تغيير المجتمع باسره وتحرير الإنسانية جمعاء وإلاّ فإن أي مكاسب حققها النضال الثوري ستبدّد وتحطّم وسيقضى على القوى الثورية. (16)
فقط بالقطع مع هذه التوجهات الخاطئة والانخراط بعمق والتجزر في وجهة النظر والمباديء الشيوعية , كما جرى تطويرها إلى الآن (وينبغي مزيد تطويرها باستمرار) ينهض الشيوعيون بالمسؤولية والتحدّي العظيمين لأن يكونوا فعلا طليعة المستقبل ولا يأسرون أنفسهم في أن يكونوا [ أو يفسدوا ] ويصبحوا بقية الماضي، وبالقيام بذلك يخونون الجماهير الشعبية عبر العالم التي تمثّل لهم الثورة الشيوعية السبيل الوحيد للخروج من جنون ورعب العالم الراهن صوب عالم يستحق حقا العيش فيه.
7/ ثورة ثقافية داخل الحزب الشيوعي الثوري :-
ولم يكن حزبنا ذاته بمنأى عن تأثير الخطوط التحريفية الخاطئة . وفي الواقع فإن الخطوط والنزعات التي نقدناها هنا لم توجد فقط داخل حزبنا ، على امتداد سنوات ، بل إلى وقت قريب ، مارست دفعا قويّا وشكّلت خطرا حقيقيا يهدّد بأن يكفّ حزبنا عن أن يكون حزبا شيوعيا ثوريا وعوض ذلك يفسد ويتحوّل إلى مجموعة أخرى من الإصلاحيين ، حتى وإن أبقت ،على الأقلّ لفترة من الزمن ، لباس الشيوعية.
طوال فترة الثمانينات والتسعينات ، تطوّر الوضع داخل حزبنا وفي الواقع وجد حزبان، يمثّلان جوهريا طريقين متعارضين . من ناحية، كان هناك الخطّ "الرسمي" للحزب ، و التطوير الجاري له كما تجسّد بوجه خاص في الاستنتاج الجديد الذى كان ينجزه بوب آفاكيان ، وبالأساس ،عبّرت عنه جريدة الحزب ( "العامل الثوري" ، الآن " الثورة " ) ووثائق ومنشورات أخرى للحزب. لكن في نفس الوقت، في تصاعد معارضة الاستنتاج الجديد و الخط الشيوعي الثوري ككلّ وجدت نظرات تحريفية تمايزت في بعض الخصوصيات لكنها كانت مشتركة موضوعيا ، في أنها تصبّ في التخلّي عن النظرة والأهداف الشيوعية الثورية متأقلمة مع النظام الإمبريالي وقابلة به وفي أفضل الأحوال عاملة من أجل إصلاحات ضمن هذا النظام الفظيع.
ما هي أهمّ مظاهر هذه الخطوط التحريفية وأهمّ العوامل المؤدية إلى نموّها وتزايد تأثيرها داخل حزبنا ؟
الهزيمة في الصين ونهاية المرحلة الأولى من الثورة الشيوعية ( تزامنت مع عقود من "الاستقرار " النسبي في أقوى بلد إمبريالي في العالم، إثر هذه الهزيمة وانحسار الانتفاضة العظيمة للستينات إلى بداية السبعينات في الولايات المتحدة وكذلك على النطاق العالمي ) لم تحدث فقط بلبلة وإحباط لدي الكثيرين الذين أرادوا وقاتلوا من أجل تغيير جذري للعالم وأيضا للناس بشكل أوسع ، وإنما كان هذا صحيحا ضمن الشيوعيين وداخل حزبنا. تتكوّن الأحزاب الشيوعية من أناس يجتمعون على أساس فهم علمي متقدّم لضرورة وإمكانية الثورة ،غايتهم مستقبل مغاير جوهريا وأفضل بكثير بالنسبة للإنسانية، لكنهم يوجدون ويقومون بعملهم في النظام القائم ، ليسوا ولا يمكنهم و لا يجب ان يكونوا منفصلين وليس أقلّ منغلقين عن بقية العالم والظروف التي يفرضها و التأثيرات التي يمارسها.
وفي نفس الوقت ، مستغلين هزائم ونكسات الثورة الشيوعية ، قام المدافعون عن النظام القديم ومادحوه طوال العقود الماضية بهجوم إيديولوجي مستمرّ على الشيوعية وكان لهذا تأثير على الدفع نحو التأقلم مع الإمبريالية ، خصوصا في بلد مثل الولايات المتحدة ، بلد قويّ لدرجة كبيرة.
متحدّثا لاجتماع حزبي هام قبل بضعة سنوات حيث تطرّق مباشرة ونقد بشدّة الخطوط التحريفية داخل الحزب ، ساق بوب آفاكيان الملاحظات التالية :
" دعونا ننظر مجدّدا إلى هذا. تحدثت عن كيف أننا لا نزال نعاني من تأثيرات خسارة الصين. لا يجب أن نستهين بهزيمة الصين وكلّ ما نجم عنها وكلّ ما قام به الامبرياليون وبنوه على ذلك الأساس. خسارة الصين وكلّ ما كانت تمثّله بالنسبة للبروليتاريا العالمية والثورة البروليتارية العالمية ، بعد الثورة الثقافية [في الصين] وبعد مشاركة الملايين والملايين فيها وفي سيرورة هامة من إعادة تشكيل وجهة نظرهم للعالم ونعم هذا شيء لا زلنا نتفاعل معه ، سواء في الواقع الموضوعي أوفي تفكيرنا نحن.
وإذا ما أضفنا إلى كل هذا كامل ظاهرة "موت الشيوعية" والهجوم المستمرّ المعادي للشيوعية و التشويه والاثراء من كافة الاتجاهات وبكافة الطرق للثورة الثقافية البروليتارية الكبرى في الصين والثورة الصينية والاشتراكية ودكتاتورية البروليتاريا ، إذا ما فكّرنا في تبعات كلّ هذا ونحن ماديون ونطبّق الجدلية ، من الصعب جدا التفكير في أن لنا مناعة ضد تداعيات كلّ هذا وأنه فقط يأثّر على الناس خارج الحزب. حتى في تفكيرنا وفي ذواتنا إن أردتم استعمال هذه المفردة ، في أعماق أعماقنا ، أليست لدينا أسئلة حول إذا ما كنا على خطأ بشأن كلّ هذا : لماذا خسرنا؟ إذا كنّا على حق وإذا كان ما نطمح إليه صحيح لماذا انتهى الأمر على هذا النحو؟ لا أعتقد أنه هناك كثير من الرفاق الذين يستطيعون قول إن تلك الأسئلة لم تؤرقهم ، و على الأرجح اكثر من مرّة.
لدينا إجابة على تلك الأمور إلا أنه يجب التعمّق في الإجابة ويجب مواصلة التعمّق وينبغي أن نكون علميين. ينبغي أن نطبّق المادية الجدلية ".
المشكلة هي أنه بينما كان بوب آفاكيان وبعض الآخرين في الحزب "يتعمّقون" في هذا ، مطبّقين النظرة العلمية و المنهج المادي الجدلي، لم تكن غالبية الحزب ، على المستويات كلّها ، تفعل وعوض ذلك كانت إلى درجة كبيرة "تقبل" الافتراءات ضد الشيوعية وتتحوّل إلى ما حدّده لينين بدقّة بالنزعة العفوية للسقوط تحت كلاكل البرجوازية ، إيديولوجيا وسياسيا : الانسحاب إلى حدود الديمقراطية البرجوازية و الحقّ البرجوازي و التذيّل للنظرة التي تميّز الحركات الإصلاحية بما في ذلك "سياسة الهوية " والنسبية الفلسفية المرتبطة بها ( فكرة أنه ليست هناك حقيقة موضوعية ، أو أن الحقيقة الموضوعية لا يمكن تحديدها بأية درجة من اليقين، و أن هناك مجرّد مجموعات وأفراد مختلفين لهم "روايات" مختلفة وجميعها على حدّ سواء صحيحة أو غير صحيحة ) مستبدلة الثورة بالإصلاح كهدف أساسي.
تميّزت التحريفية داخل حزبنا بالميزات التحريفية المعروفة لمدّة طويلة داخل الحركة الشيوعية والتي فضحها لينين كذلك وقد تجسّدت في مفهوم أن " الحركة كلّ شيء والهدف لا شيء "، والتوجّه الحتمي إلى أن ما هو ضروري هو الممكن والممكن هو ما قد أُنجز بعدُ وهذا يعنى "الانصهار" في صفوف الجماهير بالمعنى الخاطئ ، على أساس ضيّق وبنظرة ضيقة للصراع ، مع ترك الثورة والشيوعية جانبا أو في أحسن الحالات بطريقة لا معنى ولا حياة لها ، " الثبات على" العمل الإصلاحي وإحباط أي مغزى ورابطة حقيقيين بالنشاط الحزبي الجاري وفي الواقع قبر الثورة والشيوعية. كان أعضاء الحزب عادة مشغولين جدا بكلّ شيء باستثناء الثورة و الشيوعية.
جوهريا، كان هذا شكلا من أشكال "الاقتصاداوية" . تاريخيا، في الحركة الشيوعية ، مفاد الإقتصاداوية هو بناء الانتباه الطبقة العاملة على ظروفها المباشرة وعلى النضالات "بوسائل قابلة للتطبيق على أوسع نطاق" لكسبها ، يوما ما ، للاشتراكية و الشيوعية وهي نظرة عرضها لينين بصفة شاملة ودحضها مؤلفه الشهير "ما العمل؟" ، أين بيّن أن هذه المقاربة لن تؤدّي مطلقا إلى بناء حركة ثورية غايتها الشيوعية بل ستساهم في حصر الحركة و الجماهير المشتركة فيها، ضمن إطار الرأسمالية . في معارضة هذا ، أكّد لينين أنه في حين من المهمّ بالنسبة للشيوعيين أن يشتركوا فيها ويرتبطوا بالنضالات الهامة للجماهير وحتى أن يبذلوا الجهد لقيادة العديد من هذه النضالات ، فإنه عليهم أن يقوموا بذلك كشيوعيين. وعملهم يعتمد على فضح ميزات وطبيعة النظام الرأسمالي ، عبر التحريض و الدعاية المناسبين واللازمين عارضين أمام الجميع قناعاتنا وأهدافنا الشيوعية وبهذه الطريقة يربطون نضالات وتحركات اليوم بالهدف الثوري والشيوعية ، وتوجيه هذه الصراعات و الجماهير الشعبية من النضال العفوي و السقوط تحت كلاكل البرجوازية نحو الهدف الثوري. منذ زمن لينين ، صارت الإقتصاداوية تتخذ معنى أوسع لتطبيق "الوسائل الأكثر قابلية للتطبيق" ليس فقط النضالات ضمن شرائح مختلفة عديدة مركّزين نظر العمل الشيوعي على تنظيم مثل هذه النضالات فعلا وليس دائما قولا ، متعاطين مع أفق الثورة والشيوعية كشيء مطلق ينتمى إلى فترة مستقبلية غير محدّدة ، لا صلة حيّة لهما بالحركات والنضالات الراهنة في أي وقت ما.
في الجوهر، بدلا من العمل الثوري في وضع غير ثوري ، التعجيل وانتظار تطوّر وضع ثوري ، الوصفة الإقتصاداوية هي العمل الإصلاحي بانتظار ثورة ، ثورة لن تحدث أبدا ولا يعدّ لها أبدا وفعلا من خلال هذه النظرة . و ما تشترك فيه كافة مظاهر الإقتصاداوية كميزة أساسية هو التبعية للجماهير ، عوض التصرّف كطليعة لقيادة الجماهير، ( التعلّم منها أي نعم ، لكن القيادة بينما يتمّ التعلّم) رافعين نظرها لإمكانية الثورة وضرورتها وعاملين ومكافحين معها لكسبها لتبنّى وجهة النظر الثورية والشيوعية والكفاح من أجل أهدافها التحرّرية.
الإقتصاداوية و التحريفية بصورة عامة التي كانت تسم على نحو متزايد العمل الفعلي للحزب وحياته وثقافته تميّزت بالبراغماتية و التجريبية اللتان كانتا شائعتين في الحركة الشيوعية ( اللتان ناقشنا أعلاه) وكذلك اللا ادرية حول المبادئ الشيوعية الراسخة وحتى حول رغبة وإمكانية الثورة و الشيوعية. و العمل النظري المستمرّ والاختراقات الحقيقية في النظرية الشيوعية التي أنجزها رئيس الحزب ، بوب آفاكيان، لم تقابل بمعارضة صريحة بل هي مهملة بشكل كبير من قبل أغلب أعضاء الحزب ( أو أحيانا تواجه على حدّ سواء بتصرّف غير مهتمّ كذلك وقول "ثقيل..."ثم توضع على الرفّ لتراكم الغبار) لأن مثل هذا العمل والاختراقات النظرية التي أوجزنا بينما هي حاسمة فيما يحقق بأهداف الثورة و الشيوعية ، لم تكن ذات قيمة أو "مفيدة" للغارقين في التوجّه الاقتصاداوي و التحريفي.
في ارتباط بما ذكر أعلاه، عنصر مفتاحيٌ آخر ضمن "الحزمة التحريفية" ( التي كسبت رواجا داخل حزبنا ) هو نظرة عدم التعاطي مع الشيوعية كتوجّه شيوعي ثوري حقيقي ينبغي أن يكرّس باستمرار وبنشاط أي يقاتل من اجله لكن عوض ذلك يتمّ تقليص الشيوعية إلى "نمط حياة بديل". وبهذه النظرة يتحوّل الحزب إلى مجرّد فرقة معارضة تصدّق نفسها ،تقريبا عصرية. وأحيانا عني " نمط حياة بديل " الانشغال وجعل الآخرين ينشغلون بالتنقّل السريع من كفاح مباشر إلى آخر ، و أحيانا اتخذ شكل الرضا المتعجرف والدغمائي بكون المرء شيوعي (مفترض) ، له معرفة خاصة بالتاريخ وجملة أخلاق ( لا يمكن أن ترتبط بأي واحد، إذا جرت المحاولة حتى) ، وأحيانا عنى فقط تمضية الوقت ووضع الفكر النقدي في الثلاّجة. وتميّز عمل الحزب بصورة متزايدة بنظرة غذاء عقلي للجماهير، في حين تقع المحافظة على المنطقة الخاصة ب "المبتدئين"، ما وصف على أنه "معبد المعرفة السرّية" ، محوّلا الشيوعية إلى شيء بلا حياة وجوهريا إلى شيء ديني ودوغما.
في تعارض مع مؤلفات بوب آفاكيان وجريدة الحزب ومنشوراته الأخرى ووثائقه الرسمية ،كانت غالبية الوجه العام للحزب ( المكتبات المرتبطة به ،على سبيل المثال) تنبعث منها رائحة آثار الماضي أو "مراكز حركة "مشغولة (غير ثورية). الاختلافات في كلّ هذا يمكن أن تكون متنوّعة لكن المصدر والنتيجة واحدة : التحريفية.
إلى جانب كلّ هذا، ثمة نبذ أكيد وتجنّب مدروس لخوض النضال الإيديولوجي مع الجماهير الشعبية لا سيما في معارضة الأفكار والمفاهيم الدينية بالإضافة إلى وجهات النظر المتخلفة التي تمثل حقيقة قيودا وسلاسل ذهنية لدى جماهير الشعب. وتمادي هذا إلى حدّ تضمّن مستوى من التردّد أو رفض مواجهة الأفكار والتصورات المسبقة المناهضة للشيوعية الواسعة الانتشار الآن و في نفس الوقت السطحية جدا.
عموما وبالشكل الأكثر أساسية ، ما تمثله "الحزمة التحريفية" هو التخلي عن الثورة ، وإن لم يكن بصفة واضحة وبصراحة تامة أي تبنى موقف "رأينا كل الثورة التي سنرى". على الأغلب ، الثورة مسألة مستقبل بعيد أو هي للآخرين ، في مكان ما . ربّما يمكن أن تنجح في ما يسمّى بالعالم الثالث، لكن بالنظرة التحريفية التي لها علاقة حية وواقعية محدودة بما كان يقوم به حزبنا ( ما عدا ربما جعل نفسها بلا معنى "من كبار مروجي " النضالات الثورية في أماكن أخرى) . أما بالنسبة للحزب و ثقافته ، ففي ظل تأثير هذه التحريفية ، كانت الليبرالية سائدة , وعمّ موقف عام مفاده جوهريا " لنكن واقعيين ، ما الذى تتوقعون ؟ لا يمكن أن يوجد حزب في هذه البلاد يكون حقّا طليعة ثورية ، يستحق فعلا اسم "حزب شيوعي ثوري".
إن التناقض الجوهري العدائي والمتفاقم الحدّة هو بين هذين الخطين ( خطّ جملة الأعمال و المنهج و النظرة المطوّرين من قبل بوب آفاكيان و خطّ الحزب ووثائقه ومنشوراته "الرسمية" من جهة و"الحزمة التحريفية " بمظاهرها المتنوعة و المضمون الأساسي الذى لخصناه هنا) اللذان صارا متعارضين تمام التعارض في السنوات القليلة الأخيرة إذ لم يعد هذان الخطّان بوسعهما التعايش داخل الحزب ، و إلاّ كان مثّل هذا "التعايش" سيؤدى إلى انتصار التحريفية ونهاية الحزب كنوع من الطليعة الشيوعية الثورية حقيقة.
والعامل الذى عجّل وأدّى إلى الصراع المفتوح والعميق حول هذه الاختلافات الجوهرية ، حدث في سياق إعداد الحزب لحملة بناء ثقافة تقدير ونشر وترويج شعبي لدور بوب آفاكيان كقائد شيوعي، مثلما تركّز ذلك في جملة أعماله ومنهجه ونظرته. بناء هذه الثقافة من التقدير والنشر والترويج لبوب لآفاكيان باتت الآن أحد الركنين الأساسيين لعمل حزبنا الثوري الشامل ( الركن الأساسي الآخر هو استخدام صحافة حزبنا وكلّ هذا جرى نقاشه في "الدستور" الجديد لحزبنا). لكن حينها ، قبل بضعة سنوات ، أبرزت النقاشات بهذا المضمار داخل الحزب بصفة أجلى مما بدت عليه سابقا أن داخل الحزب هناك كما صاغته وثيقة حزبية داخلية " نقص فادح في تقدير ما هو فعلا المضمون الرئيسي لأعمال رئيس الحزب وإعادة تصوّره للثورة والشيوعية و الاستنتاج الجديد ".
وكما ورد في تلك الوثيقة الداخلية : " استمرّ العمل في هذا الاستنتاج الجديد لمدّة 25 سنة عندها، بيد أن الخطّ التحريفي أدار ظهره لذلك العمل ، أوّلا بعدم الفهم ، وتاليا ، مع تطوّر الأمور بمعارضة موضوعية . " وجد شيء جديد وهو الآن يكافح ليولد في هذا العالم ، إنه يحارب صاعدا جبلا ضد الحكمة التقليدية و الدغمائية وكذلك الإصلاحية لدى الشيوعيين. لكن إمّا عارضه الرفاق ...أو أهمل ، او على الأغلب اعتبر "مهمّا". وتقريبا عالميا لم يدرك فحواه ( أو يعارض بانتقائية ). عمليا عُدّ غير فعّال. وبالأساس ، في صفوفنا ، لم تقع مواجهة التجريبية الفظّة القائلة بأن " النظرية لا يمكن أن تسبق الممارسة ". كان بوب آفاكيان يواجه ويتعمّق في المشاكل الحقيقية التي أدّت إلى كون الكثير من الناس لم يقدروا على التمييز بين الماركسية و التحريفية بعد عشر سنوات من الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى في الصين. وقد أهمل العديد من الرفاق هذا وانزعج تماما بعضهم الاخر. وتعمّقه في هذا وشروعه في تطوير إجابات لهذه الأسئلة المضجرة للغاية عورض مرّة أخرى سواء مباشرة أو من خلال " تجاهله". و سقطت هذه [ المعارضة التحريفية ] موضوعيا في ابتلاع "موت الشيوعية " فاستبدلت القيادة الشيوعية الحيّة المتطوّرة المشتبكة فعلا ( والصائغة لأجوبة) الأسئلة المؤلمة بصدد " لماذا خسرنا الصين" بالإيمان السلفي الدغمائي الجامد."
عند هذا الحدّ ، بات التناقض بين الخطين التحريفي و الشيوعي في حزبنا معبّرا عنه بصورة تامة وبات بجلاء وحدّة متعلّقا بإدراك ونشر ضمن الجماهير الشعبية لما تمثّله قيادة بوب آفاكيان و ما هو مركز في الاستنتاج الجديد الذى يقدّمه ، أو نبذه ورفض التصرّف بناء عليه. في هذه الظروف ، يمثّل الأوّل التقدّم على الطريق الثوري والشيوعية لأن دور بوب آفاكيان وجملة أعماله ومنهجه ونظرته تكرّس فوق كلّ شيء تطويرا للشيوعية كعلم حيّ وتوجه ثوريّ استراتيجي ، بينما معارضة هذا داخل حزبنا كرّست بصورة مركّزة التراجع نحو الإصلاحية والاستسلام للإمبريالية حتى وإن جرى هذا مع المحافظة على "الشيوعية" كنوع من التعويذة الدينية و/ أو "نمط حياة بديل".
معترفا تمام الاعتراف بجدّية الوضع و الرهانات وكذلك الأخطار المتضمّنة وقادرا على التعويل عندها فقط على مجموعة صغيرة جدّا داخل قيادة الحزب ، اصدر بوب آفاكيان بجرأة نداءً لثورة ثقافية داخل الحزب الشيوعي الثوري. وفي نفس الوقت، اكّد على أنّ هذه الثورة الثقافية ينبغي أن تتمّ في خضم مسيرة كبرى ( مشدّدا بهذه الاستعارة على أن التغيير الراديكالي و التعزيز الثوري للحزب وهو هدف وغاية هذه الثورة الثقافية يتعيّن أن ينجز في إطار وجوهريا في خدمة تغيير العالم الموضوعي الأشمل ) و عمل الحزب الذى ستوجهه حقا المبادئ والأهداف الشيوعية لإيجاد حركة ثورية وليس حركة إصلاحية. وللأسباب التي ناقشنا أعلاه هنا ، النقطة المحورية و المسألة الحيوية للثورة الثقافية كانت إذا كنا نعتمد على وننفّذ الاستنتاج الجديد وجملة أعمال و منهج ونظرة بوب آفاكيان و نتقدّم في النظرية والاستراتيجية الشيوعية التي تركّز ذلك أم أننا نبتعد عنها ونتبنى عوض ذلك ضربا من ضروب التحريفية – او بعض الخليط الانتقائي التحريفي.
في حديث له في وقت سابق من هذه السنة مع مجموعة من أعضاء الحزب ، عرض بوب آفاكيان توجهه في بداية هذه الثورة الثقافية :
" كما رأيت وواجهت الأمور في ذلك الوقت ، تقريبا قبل خمس سنوات ، كان هناك ثلاثة خيارات أساسية لمّا صار واضحا أنه رغم تواصل الطابع الشيوعي الثوري للخطّ "الرسمي" للحزب ، كان الحزب في الحقيقة "مشبعا" وحتى متميّزا بالتحريفية. كانت أمامي ثلاثة خيارات :
- القبول بهذا الحزب كما هو و التخلّي جوهريا عن ما يفترض أن هذا الحزب أسّس من أجله،
- مغادرة الحزب والاستعداد لتأسيس حزب جديد،
- أو إطلاق ثورة ثقافية.
حينها اعتقدت و لا زلت أعتقد الآن الأسباب التي تحدثت عنها في مكان آخر و اليوم في ما مر ّبنا ، بأن الخيار الأخير هو الطريق الوحيد الصائب و الضروري. وهذا لأسباب تتعلّق بمدى قيمة حزب و مدى صعوبة خلق حزب جديد لو جرى بالفعل التخلي عن هذا الحزب قبل الأوان وبشكل خاطئ. لكن ،نعم ، صحيح ليس هناك شيء مقدّس بشأن حزب وإذا لم يكن طليعة ثورة فبالتالي فليذهب إلى الجحيم! ولنقم بشيء آخر ولنحصل على شيء آخر. بيد أنني اعتقدت حينها و لازلت أعتقد أنه لا ينبغي أن نتخلى عن هذا الحزب ما لم يغدو موضوعيا وعلميا وبصورة واضحة لا أمل في تحويله حقيقية إلى ما يحتاج أن يكونه."
ولم تكن هذه الثورة الثقافية عملية تطهير بل صراعا ، صراعا إيديولوجيا غايته و منهجه لم يكونا استهداف أشخاص وإنما المقارنة و المواجهة بين الخطّ الثوري و الخطّ التحريفي و بهذه الطريقة يتمّ تعميق أسس الحزب و أعضاءه على الخطّ الثوري بينما يقع فضح ونقد الخطّ التحريفي و القطع معه وذلك لإنعاش وإعطاء حافز كبير للحزب ككلّ كطليعة شيوعية ثورية حقا قادرة ومصمّمة على مواجهة مسؤولياتها ولا شيء أقلّ. إن مسار هذه الثورة الثقافية و طبيعتها ، على مدار ما يناهز الخمس سنوات منذ بدايتها ، كان معقّدا وأحيانا حادا. تضمّن عددا من الالتواءات و المنعرجات و تطلّب صراعات إيديولوجية متكرّرة و متعمّقة لإحداث قطيعة أساسية من طرف أعضاء الحزب و الحزب ككلّ مع التحريفية و قفزة – من جديد و على أسس أعمق- للتحوّل إلى شيوعيين و طليعة شيوعية مطالبين بأن نكونها ومصمّمين على أن نكونها. وقد عرفت عدة مراحل ، بتقدّم حاسم حصل في مراحلها الأولى ، عندما التحقت قيادة الحزب جماعيا، بالمعنى الأساسي ، بالخطّ الثوري وقيادة بوب آفاكيان في تطوير ذلك الخطّ و الكفاح من أجله و على تلك القاعدة عمّقت تصميمها وقدرتها على إنجاز هذه الثورة الثقافية من خلال إلحاق الهزيمة بالتحريفية وإنقاذ وإنعاش الحزب كطليعة شيوعية ثورية.
وكما كان متوقّعا من صراع بهذا الحجم الهائل وبهذه التحدّيات ، كانت سيرورة الثورة الثقافية في حزبنا سيرورة تمخّضت عن القطع مع الذين كانوا ينوون عقد سلام مع الإمبريالية وجرائمها الفظيعة ، حتى وإن ظلّوا أحيانا يسمون أنفسهم شيوعيين أو يعبرون عن أمنية عالم أفضل، طالما أنه ليس عليهم الاضطلاع بمسؤولية الصراع ومواجهة التضحيات اللازمة لجعل ذلك فعلا واقعا. رفض البعض ، أو وجدوا أنفسهم غير قادرين على القطع مع التحريفية و بالتالي استقالوا ( أو أقنعوا بالاستقالة ) من الحزب. بالنسبة للجزء الأكبر، مع بعض الاستثناءات، (17) ، أولئك الذين تركوا الحزب فعلوا ذلك على أساس إصرارهم على أنهم لا يعتقدون بأن الثورة ممكنة ( على الأقلّ ليس في هذا البلد وليس في أي أفق زمني ذو مغزى ) بينما اعترف البعض حتى بأنهم لو يعودوا يعتبرون الثورة و الشيوعية مرغوب فيهما. في الواقع، معنى هذا ليس أن الثورة ليست ممكنة و الشيوعية غير مرغوب فيها ، بل معنى هذا هو أن الإرادة الثورية لهؤلاء الناس وتوجههم الشيوعي تحلّلا وفسدا
على خلاف أولئك الذين تقدّموا في خضمّ الثورة الثقافية في حزبنا و مجدّدا وبصفة أعمق التزموا بقضية ( الشيوعية ) و الذين أداروا ظهرهم للحزب و للثورة يعترفون بأن هذه الثورة وهدفها الشيوعية سيتطلبان ما ليسوا على استعداد لتقديمه، " العمل الشاق و العمل الخطر و العمل في أغلب الأحيان غير المرغوب فيه شعبيا و "ضد التيار" ، لتحقيق أهدافنا في الواقع " (18) ولم تعد المعايير الأساسية الموضّحة في دستور حزبنا (الجزء الثاني ، مبادئ التنظيم) تنطبق عليهم :
" يتكون الحزب الشيوعي الثوري ،الولايات المتحدة الأمريكية من أناس تجمعوا للمساعدة على تلبية الحاجة الكبرى للإنسانية : القيام بالثورة كخطوة أولى باتجاه الشيوعية. و كرّسوا حياتهم بالكامل إلى هذا ، بجدّية عظيمة و حبّ عظيم ، بتصميم عظيم و حماس عظيم أيضا ." (19)
في مظهرها الرئيس والأكثر جوهرية ، مثلت الثورة الثقافية عصب الحزب إنعاشا للنظرة والأهداف والروح و الثقافة الثورية الشيوعية للحزب، حزب يواجه مباشرة و عمليا تعقيدات وصعوبات ومخاطر وكذلك يلهم ويفعل كل ما في وسعه في سبيل الثورة في هذه البلاد وفي سبيل المساهمة بأكبر قدر ممكن في هذه القضية ذاتها عبر العالم، وكلّ هذا بغاية تحقيق الهدف النهائي ، الشيوعية. والنضال يستمرّ على قاعدة جديدة ، داخل الحزب لمزيد من تعزيز وتعميق طابعه وأسسه الثورية، في إطار النهوض بالعمل الثوري بحماس وبصورة خلاّقة ، بالاعتماد على ما هو فعلا الخطّ الشيوعي الثوري لهذا الحزب.
لفترة من الزمن ، عانى حزبنا ( بينما الجماهير الشعبية التي وضعت نصب أعينها تحقيق اهدافها والجماهير الشعبية التي كانت تعاني بشكل أوسع هي الأخرى) بفعل التحريفية التي كسبت مزيدا من التأثير داخل الحزب، متغذّية وبدورها موطّدةً ، نزعة تبنّى تلخيص ونظرة خاطئين للوضع حيث انتهت المرحلة الأولى من الثورة الشيوعية مع إعادة بناء الرأسمالية في الصين وكان الإمبرياليون القدامى و الجدد في حالة هيجان ليستغلوا هذا الوضع لنهب العالم حتى بلا رحمة ولشنّ حرب إيديولوجية وسياسية لا هوادة فيها في محاولة لتدمير ما تبقى من احترام للأشياء العظيمة التي أنجزت فعلا في تلك المرحلة الأولى من الاشتراكية ولبثّ الشكّ حول العلم الثوري للشيوعية الذى كشف إمكانية وأرشد النضال الحقيقي الذي جعل ممكن تحقيق هذه الاهداف العظيمة . عبر سيرورة الثورة الثقافية في حزبنا ، صرنا أقوى واكثر وحدة على مستوى أرقى ، إيديولوجيا وسياسيا وكذلك تنظيميا ، وأكثر ارتكازاً على علم الشيوعية والذي أزداد في تطويره بوب آفاكيان من خلال الاستنتاج الجديد , وبإدراك هذا العلم كعلم حيّ علينا مواصلة تطبيقه ومزيد تطويره ، على نحو مستمرّ وعبر مواصلة الصراع .
لقد دفعنا ثمن التمسّك بالمبادئ والأهداف الشيوعية ورفضنا التخلي عن طريق الثورة من أجل أخاديد الإصلاحية المهترئة التي يُدّعى أنها أكثر "واقعية "وبطريقة ما "ستعمل" في حين أن التجارب المُرّة دللت ، المرة تلو الأخرى، أن هذا "سيعمل" على إبقاء الناس سجناء إطار الحدود القاتلة للحكم البرجوازي والاضطهاد الرأسمالي. لكن بعد دفع هذا الثمن ، نحن الآن مستعدّون أكثر للاضطلاع بالمسؤوليات الملقاة على عاتقنا ومصمّمون أكثر على مواجهة التحدّيات التي توجد أمامنا، و العمل من أجل الثورة هنا ، على قاعدة الاستنتاج الجديد الذى تقدّم به بوب آفاكيان، للقيام بكلّ ما نقوم به بنشاط و للمساهمة ذات المغزى في الهدف الثوري و للقتال من أجل هذا الفهم و التوجّه ذاتهما داخل الحركة الشيوعية في العالم قاطبة.
مدركين الإدراك التام لحقيقة المشاكل والأخطار , التي قد تنجم عن ذلك ، نخوض تجربتنا ( و ما صرنا ندركه بأكثر عمق وصلابة، عبر حقيقة هذه التجربة ) المعروفة لدى الآخرين ، داخل الحركة الشيوعية وأوسع منها ، دروسها العميقة ولأهمّيتها الكبرى لقضيتنا بأسرها. لقد رفعت تجربتنا ، خصوصا في خضم الثورة الثقافية داخل حزبنا ، وادراكنا كثيراً معاناة الجماهير المضطهَدة هنا وعبر العالم ، ولمستقبل الإنسانية ، أن مثل هذا الحزب لم يهزم وحقق انتعاشا وتعزيزاً حقيقاً وتقوى سياسياً وايدلوجياً , وعلى خلاصة مستوى المدخل الاستراتيجي الثوري المفضي للشيوعية بالعمل دون هوادة لجعل هذا الإدراك واقعاً معاشاً وسط الجماهير التي تناضل من أجل الثورة في اعتى قوة امبرالية في وحدة مع الشعوب التي تناضل من اجل نفس الهدف نفس العالم و كما كتب رئيس الحزب بوب آفاكيان
" بهكذا طريقة ، على أساس علمي و من خلال تطبيق المنهج و النظرة العلميين ، بإمكاننا و علينا أن نمتلك روحا انتصارية ، وتوجها ( لاستعارة جملة من قصيدة لييتس ) من العشق الشديد للثورة و الشيوعية " (20)
8/ خاتمة : تحدّى و نداء :-
إننا نعنى ما قلناه هنا، ونعنى ما قلناه في نهاية " دستور" حزبنا :
" أخذ الحزب الشيوعي الثوري ،الولايات المتحدة الأمريكية على عاتقه مسؤولية قيادة الثورة في الولايات المتحدة ، قلب الوحش الإمبريالي، كمساهمة رئيسية منه في الثورة العالمية و الهدف النهائي ، الشيوعية. و هذا تعهّد عظيم وتاريخي وكلّ الذين يتطلعون لرؤية حدوث هذا يجب أن يلتحقوا بهذه الطليعة و أن يساندوها ، عاملين سوية مع هذا الحزب ، وداعمون له و على أساس تبني قضية ونظرة الشيوعية ينضمّون إليه.
تحرير الإنسانية قاطبة : هذا و لا شيء أقلّ من هذا هو هدفنا ، ليس هناك من قضية أعظم و لا هدف أعظم له نكرّس حياتنا " (21)
كلّ ما تحدّثنا عنه هنا و الذى عرضنا مباشرة ودون تزويق ، يجب أن يعطى معنى وتأكيد أعظم للنداء الموجّه للناس الذين يشاطرون أو يحترمون تصميمنا على صنع عالم جديد خال من الاستغلال والاضطهاد ، ليلتحقوا بمساعدة هذا الحزب ودعمه. إلى الثوريين و الشيوعيين في كلّ مكان ، إلى كل الذين يطمحون لعالم آخر ، مختلف راديكاليا وأفضل بكثير : دعونا لا نتراجع إلى ونتخندق في الماضي، باي شكل كان ، دعونا بدلا من ذلك ، نتقدّم بجرأة صوب هدف الشيوعية وتحرير الإنسانية من قيود آلاف السنين من التقاليد.
الهوامش :
1/ من ماركس إلى كوغلمان ، 1868، ذكراه رايموند لوتا و فرانك شانون في " إنحطاط أمريكا ، تحليل للتطورات نحو الحرب و الثورة ، في الولايات المتحدة وعالميا ، في الثمانينات "، المجلّد (1) بانربراس ، شيكاغو 1984، ص 10.
2/ لتحليل كامل للعلاقة بين اضطهاد السود و التطوّر التاريخي للرأسمالية الإمبريالية الأمريكية ، راجعوا بوب آفاكيان " الشيوعية وديمقراطية جيفرسون" ، منشورات الحزب الشيوعي الثوري ، شيكاغو ،2008 ، وهو موجود كذلك على الانترنت بموقع الحزب.
3/ ( دستور الحزب الشيوعي الثوري، الولايات المتحدة الأمريكية ) منشورات الحزب الشيوعي الثوري ،الولايات المتحدة الأمريكية ،شيكاغو ،2008، المقدّمة : المبادئ الأساسية للحزب الشيوعي الثوري، الولايات المتحدة الأمريكية ، ص(2) ، التشديد مضاف في الأصل. وهذا "الدستور" متوفّر على الأنترنت بموقع الحزب.
4/ ( صناعة الثورة و تحرير الإنسانية ) الأجزاء 1و2 متوفر أيضا على الأنترنت وفي "الثورة و الشيوعية : الأساس و التوجّه الاستراتيجي" كتيّب من نشر "الثورة" ، غرّة ماي 2008. و كتاب سكايبراك المشار إليه هنا هو "علم التطوّر وأسطورة الخلق، معرفة الواقع و خلفياته" إنسايت براس، شيكاغو، 2006.
5/ في مكان آخر ، في أعمال رئيس حزبنا، بوب آفاكيان وجهود آخرين مستلهمين ومسترشدين بأعماله ومنهجه ونظرته، أنجز تلخيص هام – ومزيد التلخيص بصدد الإنجاز – لكلّ من المكاسب الواقعية و الحقيقية فعلا و النواقص والأخطاء الثانوية لكن مع ذلك الهامة ، و بعضها جدّي للغاية، الواقعية و الحقيقية فعلا في الاتحاد السوفياتي و كذلك في الصين ، عندما كانا بلدين إشتراكيين.
راجعوا مثلا بوب آفاكيان " غزو العالم ؟ البروليتاريا العالمية الإرادة والواجب " المنشور في العدد 50 من مجلّة "الثورة" ، ديسمبر 1981 وهو متوفّر على الأنترنت، و " نهاية مرحلة، بداية مرحلة جديدة " في مجلّة "الثورة" عدد 60 ، نهاية 1990، وراجعوا أيضا "هذه هي الشيوعية " موقع مشروع " لنقيّم ما حصل فعلا ".
6/ اضافة إلى مصادر أخرى أشرنا إليها في علاقة بتجربة الثورة الشيوعية و المجتمع الاشتراكي . لتلخيص هام لمساهمات ماركس و لينين و ماو في تطوير علم الشيوعية واستراتيجياً الثورة الشيوعية ، راجعوا ملحق بعنوان" الشيوعية كعلم" ضمن " دستور الحزب الشيوعي الثوري ، الولايات المتحدة الأمريكية ".
7/ النهاية التامة للاتحاد السوفياتي ، في بداية التسعينات ، حصلت بعد ثلاثة عقود من الإطاحة الفعلية بالاشتراكية وإعادة بناء الرأسمالية في ذلك البلد أواسط الخمسينات. منذ صار الاتحاد السوفياتي ، مثلما حدّده ماوتسى تونغ ، إمبريالية – اشترالكية ، أي اشتراكية قولا لكن رأسمالية –إمبريالية فعلا وعملا، رغم أن ذلك كان شكلا من الرأسمالية الإمبريالية فيه كانت الدولة النقطة الحيوية و العنصر المحوري للاقتصاد. مع ذلك بينما كان الاتحاد السوفياتي رأسماليا ، و قوّة إمبريالية – اشتراكية ، فإنه ظلّ منازعا هائلا للولايات المتحدة وكتلتها الإمبريالية ، وما يبعث على السُخرية هو أنه حينما سقطت كليا الإمبراطورية في التسعينات ، استغلّ ذلك مادحو و" مناصرو " الرأسمالية الإمبريالية "الكلاسيكية الغربية" وإدّعوا مع ذلك حصول هزيمة أخرى للشيوعية و "دليلا" على أن الاشتراكية وحشا فظيعا وغير قابل للتطبيق. لتحليل التجربة الفعلية للمجتمع الاشتراكي ، في الاتحاد السوفياتي والصين ، و التغييرات التاريخية غير المسبوقة و التحرّرية المنجزة في تلك البلدان لمّا كانت اشتراكية، والمشاكل و النواقص والأخطاء الحقيقية ، راجعوا موقع إنترنت "هذه هي الشيوعية" .
8/ الذين يدعون أن تجربة الحركة الشيوعية و المجتمعات الاشتراكية التي أفرزتها ، تبّين حدود وفي الأخير إفلاس ما يسمونه " نموذج دولة الحزب الواحد " استخلصوا استنتاجات جوهريا خاطئة و مضلّلة تردّد "الحكمة التقليدية" التي ينشرها الرأسماليون وأتباعهم من المثقفين و تغذّى نشاز خطاباتهم المناهضة للشيوعية ( صوتهم أو غضبهم الذى لا يعنى في النهاية أي شيء أو أي شيء إيجابي). وفي الأشهر و السنوات القادمة ، بما في ذلك عبر جريدة حزبنا " الثورة " ووسائل أخرى، سنتعمق أكثر وبصورة شاملة ونفكك وندحض نظريات مثل هذه و النظرة و المنهج اللذان تجسدهما. هنا دعونا نذكر بوضوح بأنه دون هذا المسمّى" نموذج دولة الحزب الواحد". بكلمات أخرى ، دون سلطة دولة بالنسبة للمستغَلّين سابقا، تهدف إلى القضاء على كافة الاستغلال واجتثاث كافة العلاقات الاضطهادية عبر العالم، ودون طليعة تقود هذه السيرورة لن يتمّ حتى الاقتراب من مواجهة ، ناهيك عن معالجة التناقضات العميقة و المعقّدة التي ينبغي التعاطي معها لصنع عالم مختلف راديكاليا. التخلّي عن هذا "النموذج " و مهاجمته، على الأقلّ موضوعيا وبغضّ النظر عن أي محاولة اعتراف ، يعنى التخلّي عن و تقويض الهدف و النضال لتحقيق ذلك الهدف
وفي النهاية التخلّص من النظام الذى يزيد الرعب الحقيقي والذى يجرح يومياً الإنسانية و يلازمها وبالفعل يمثّل تهديدا واقعيا للغاية لتواصل وجودها. هذا ما تدلّل عليه تجربة الحركة الشيوعية وبالفعل تاريخ تجربة المجتمع الإنساني ككلّ لمّا تعالج وتلخّص بنظرة و منهج علميين.
9/ انظروا مثلا كتيّب بوب آفاكيان ، " الخسارة في الصين والإرث الثوري لماو تسى تونغ "، وهو نصّ خطاب لبوب آفاكيان ألقاه في التجمعات التذكارية لماوتسى تونغ ، منشورات الأر سي ب ، شيكاغو ، 1978 و "مساهمات ماو تسى تونغ الخالدة " منشورات الأر سي بي ، شيكاغو، 1979.
10/ انظروا "إعادة تصوّر الثورة و الشيوعية : ما هو الاستنتاج الجديد لبوب آفاكيان " متوفّر على الأنترنت ، موقع الحزب.
11/ ( القيام بالثورة و تحرير الإنسانية ) ( الجزء الأول) متوفّر على الأنترنت ...وكذلك ضمن "الثورة و الشيوعية : الأسس و التوجه الاستراتيجي" كتيب " الثورة " ، الاستشهاد هنا موجود بالصفحة 27 .
12/ بوب آفاكيان ، "غزو العالم ؟ البروليتاريا العالمية الارادة والواجب " نشر في العدد 50 من مجلّة "الثورة" ديسمبر 1981، منشورات الأر سي بي ، شيكاغو . ولعرض المظاهر الجوهرية لتطوير بوب آفاكيان لمحتوى الأممية الشيوعية وقاعدتها العلمية ، راجعوا( فضلا عن "غزو العالم ؟") " دفع الثورة العالمية : مسائل توجه استراتيجي" ، نشر في الأصل في مجلّة "الثورة" ،ربيع 1984، متوفّر على الأنترنت.
13/ ( صناعة الثورة و تحرير الإنسانية ) , (الجزء الأول) متوفّر على الأنترنت وضمن " الثورة و الشيوعية : الأسس و التوجه الاستراتيجي" كتيّب "الثورة" ، الاستشهاد هنا من الصفحة 36-37 من هذا الكتيب.
14/ دستور حزبنا ، في ملحق"الشيوعية كعلم"، يشرح أن الحق البرجوازي يحيل على " الطريقة التي وفقها العلاقات السلعية الموجودة و اللا مساواه الباقية من الرأسمالية ، بالضبط داخل المجتمع الاشتراكي، تعزّز بعضها البعض بصورة متبادلة و تنعكس في البنية الفوقية ، المؤسسات السياسية و طرق التفكير و الثقافة و ما إلى ذلك ، و كيف أن كلّ هذا يشكّل حواجزا أمام مواصلة التقدّم الثوري في ظلّ الاشتراكية و يجب تحديده و في النهاية تجاوزه كجزء حاسم من النضال لمنع إعادة بناء الرأسمالية و بلوغ الهدف النهائي ، الشيوعية ".
15/ عرض موجز لأوهام الديمقراطية "النقيّة" و "اللا طبقية" ، و شرح العلاقة الفعلية بين الديمقراطية و الدكتاتورية ، من أصناف مختلفة جوهريا، تقدّمه المقولة التالية لبوب آفاكيان :" في عالم يتميّز بانقسامات طبقية ولا مساواة اجتماعية عميقين ، الحديث عن "الديمقراطية" دون الحديث عن الطبيعة الطبقية لهذه الديمقراطية ، بلا معنى وأسوأ. طالما أنّ المجتمع منقسم إلى طبقات ، لن توجد "ديمقراطية للجميع" : ستحكم طبقة أو أخرى وستدافع عن وتروّج لهذا النوع من الديمقراطية الذى يخدم مصالحها و أهدافها. المسألة هي : ما هي الطبقة التي ستحكم وإذا ما كان حكمها ونظام ديمقراطيتها، سيخدم تواصل أو في النهاية القضاء على الانقسامات الطبقية و علاقات الاستغلال والاضطهاد و اللا مساواة المتناسبة معه."( ذكر في " دستور الحزب الشيوعي الثوري ، الولايات المتحدة الأمريكية ") التسطير في النصّ الأصلي، وهذا أيضا يمكن العثور عليه بموقع الأنترنت التابع للحزب.
16/ طوال هذه الفترة الراهنة ، بعض الشيوعيين و "زملاء السفر" للشيوعية ، استحضروا طبخة من السكولاستيكية و اللا أدرية و النسبية التي هي في تعارض ، أحيانا عن وعي وصراحة ، مع الاستنتاج الجديد الذى قدّمه بوب آفاكيان وعلى أي حال جوهريا مع نظرة الشيوعية ومنهجها وأهدافها. و الذين يروّجون لهذه الطبخة يدّعون أنه لا وجود لإطار نظري لتفسير التجربة الماضية للحركة الشيوعية ولتوضيح واستخلاص الدروس المناسبة ولإرشاد الممارسة التي ستتفادى أخطاء الماضي ، حسب (عدم) فهم هؤلاء. وعليه يواصلون المحاججة ، يجب أن نصرف الجهد في ما يمكن أن نعتبره مساعي لانهائية وبلا هدف فقط لنكتشف ، في خضمّ مطلق تماما من الممارسة الثورية تسترشد بالمبادئ الشيوعية ، الإطار النظري الضروري. وعادة ما يترافق هذا مع الدفاع عن إنجاز النشاط و الصراع العمليين على أضيق الأسس و من النوع الأكثر إصلاحية ، وهو مكوّن من مكوّنات هذه الطبخة الانتقائية. ويعمل كل هذا على الأقلّ موضوعيا ، كعقلنة للانسحاب و التراجع أو مجرّد البقاء بعيدا عن النضال الثوري الفعلي ، النضال الموجّه بالنظرية و المبادئ الشيوعية التي يمكن في الواقع أن تتطوّر وقد تطوّرت وهي تتطوّر في علاقة جدلية بالممارسة ، بالمعنى الشامل وليس بالمعنى الضيّق وهو نضال له مضمون ثوري وليس إصلاحي.
وليس من المستغرب ، خصوصا في بلد إمبريالي طفيلي جدا، ( إمبريالية تفترس كليا العالم وبلايين سكانه) أن يظهر مثل هذا التوجّه و النظرة السكولاستيكية واللا أدرية ، حتى بتلوين تقريبا شيوعي ، و يجد بعض التقبّل لا سيما ضمن الشرائح الأكثر امتيازات وبصفة خاصة ضمن المثقّفين. وطالما أنّ المرء يمكن أن يواصل الدفاع عن فقدان إطار نظري مناسب بإمكان المرء أن يواصل إقناع نفسه بأنّه لا وجود لشيء خاطئ في رفض الالتزام بالنضال الحالي من أجل الشيوعية ، التزام و نضال يمكن أن يرغما المرء على التحرّك خارج ما هو ، مع ذلك ، وجود غير مزعج كثيرا لأكاديمي في حصن الإمبريالية الأغنى والأقوى عالميا. ما يتمّ الاعتراض عليه هنا ليس أصلا دور المثقف الأكاديمي في حدّ ذاته
( وهو حقل يمكن أن يكون هاما في النضال ويمكن في الحقيقة أن يقدّم مساهمات ثمينة ، بطرق متنوّعة ، في القضية الشيوعية حتى حين لا يتضمّن هذا مجال السياسة و فلسفة السياسة. بالأحرى ، ما يجرى تحديده و نقده بحدّة هو ظاهرة جعل المقاربة النظرية مبدأ مجرّدا عن الممارسة الثورية وفي تعارض مع الشيوعية العلمية، و الفهم الجدلي و المادي للنظرة و للعلاقة بين النظرية و الممارسة كما ناقشنا ذلك هنا.ونحن نشعر بالحاجة للتعبير عن نفاذ صبرنا تجاه نوع من التشويش صراحة غير المفهوم وبوعي ذاتي يعبّر عن نفسه وعادة ما يقدّم نفسه على أنه تفكير راديكالي في الأوساط الأكاديمية و الذى يتدثر أحيانا بالماركسية.
17/ استثناء للتوصيف العام للذين تركوا الحزب على أساس تقريبا التخلّي عن الثورة ، هو مجموعة متنوّعة لم تكن فقط راضية بالاستسلام للإمبريالية بل جعلت نفسها عصابة صغيرة من " النقاد الطفيليين" خارج الحزب ، باحثة عن" صياغة عقلية كبيرة " لهذا الاستسلام بشنّ هجمات كبرى لا مبدئية على الحزب وقيادته وبخاصة على رئيس حزبنا بوب آفاكيان. بتشجيع الثرثرة والافتراء و التشويه المحض لخطّ حزبنا
و نشاطه ، و حتى مصدرة نداءات سافرة معادية للشيوعية ( و كلّ هذا الادعاء كذلك من المحتمل أن يتمّ التخلّي عنه قريباً ). وفي حين أن هذا يمثّل موضوعيا ظاهرة بسيطة ، فإن هناك بعض الأشياء التي تميّز هؤلاء "النقاد " يمكن أن تستعمل بصورة مفيدة للتعلّم من الأمثلة السلبية.
أولاً ، للمواقف ولوجهات النظر التي يدافعون عنها الآن مزيّة ( إذا أمكن نعتها بذلك) إذ تمثل الخطوط التحريفية التي حدّدناها وكشفناها وافقدناها الثقة وهزمناها في خضمّ الثورة الثقافية داخل حزبنا. وهي خطوط مظاهرها عرضناها هنا عند نقاش "الحزمة التحريفية" التي ظهرت في تعارض مع الخطّ الثوري داخل الحزب.
ثانيا، أعضاء الحزب السابقين الذين استقالوا و كوّنوا عصابة صغيرة صاغوا كتيبا يعبر عن الطبيعة السياسية و الإيديولوجية للانتهازية بما في ذلك كونهم رفضوا خوض صراع مبدئي حول الاختلافات داخل الحزب. وهذا التصرّف في تناقض مع و ينتهك حقّا المبادئ الأساسية للمنظمة الشيوعية وكان على طول مبدأ صريحا لحزبنا بأن يتمتّع أعضاء الحزب ليس فحسب بحقّ بل كذلك بمسؤولية إثارة الاختلافات مع خطّ الحزب وسياساته ، بطريقة مفتوحة و صريحة عبر قنوات الحزب الملائمة. علاوة على ذلك، أثناء سيرورة الثورة الثقافية داخل حزبنا ، دُعي كافة أعضاء الحزب عند نقطة معيّنة ليترجموا جدّيا التزامهم بالحزب ومبادئه وأهدافه الشيوعية ومضمون وأهداف الثورة الثقافية في الحزب ، وإذا وفقط إذا، كان التزامهم داخلا أن يعيدوا الالتزام بذلك. و من الجدير بالإشارة إليه هو أن مايك آلي الذى يسعى الآن لنفخ نفسه كنوع من "السمك الكبير" في هذه البركة الراكدة الصغيرة من " النقاد الطفيليين" قام ساعتئذ فعلا بإعادة الالتزام بذلك مرّة أخرى دون رفع أية اعتراضات أو اختلافات بشأن خطّ الحزب والأهداف وسيرورة الثورة الثقافية داخل الحزب.
ونظرا لأنه بات جدّ واضح أنه كانت لديه خلافات مع الخطّ الأساسي للحزب ، ليس فقط في السنوات القليلة الماضية ، اثناء فترة إنجاز الثورة الثقافية داخل الحزب ، لكن قبل ذلك بكثير، سؤال يفرض نفسه طبعا : لماذا يبقى هكذا شخص في الحزب كلّ ذلك الوقت وهو يرفض طرح خلاف جوهري أو خوض صراع مفتوح وصريح حول مظاهر هامة من خطّ الحزب له معها اختلافات أساسية طوال هذه الفترة الزمنية ؟
و الجواب البديهي هو أنه ظلّ في الحزب بينما في نفس الوقت يخفي اختلافات رئيسية ، في محاولة لاستعمال الحزب كأداة لخطّه الخاص الانتهازي . بديهيا ، نتيجة القبضة التحريفية في صفوفنا ، أمكن له لسنوات أن ينفّذ "نمط حياته البديل" داخل حزبنا، مدّعيا الوحدة وتقريبا عاملا ما أراد ، نظرا لليبرالية المنتشرة كجزء من الخطّ التحريفي و الثقافة التي نشرها في صفوف حزبنا. و فقط مع تواصل إنجاز الثورة الثقافية و مع قطع أرضية التحريفية بشكل متزايد ، وجد من الصعب أكثر فأكثر أن يستمرّ في معارضة الخطّ في حين يتظاهر بالاتفاق مع الحزب . لذا ، وقتئذ ، ما الذى فعله؟ فجأة ترك الحزب وبحث عن دروب أخرى للتعبير عن انتهازية وأطلق هجماته غير المبدئية على الحزب وقيادته. قبل ترك الحزب ، هل استنفذ أو حتى بحث عن استعمال الوسائل الموجودة داخل الحزب لطرح الخلافات والصراع بطريقة مبدئية ؟ قبل ترك الحزب ، هل كتب ورقة يعبّر فيها عن خلافاته و أبلغها عبر قنوات الحزب إلى القيادة؟ هل طلب اجتماعاً مع قيادة الحزب ليعبّر عن هذه الخلافات ويناقشها معها؟ لا. بدلا من ذلك، تصرّف في خرق نام لمبادئ الشيوعية و بالفعل بشكل يتناقض مع طريقة إي إنسان له حسّ أساسي من الاستقامة.
و هذا النوع من التصرّف غير مفاجئ من هذا الشخص ليس بسبب خطّه العام السياسي و الإيديولوجي الانتهازي فحسب لكن أيضا بسبب بالخصوص أنه لو حاول عندما أطلقت الثورة الثقافية وأخذت تكسب زخما داخل حزبنا ورفعت أنظار أعضاء الحزب إلى مسائل حيوية بصدد الخطّ الإيديولوجي و السياسي و لصراع هذه الخطوط بالعلم و المادة ، لو حاول وهو لا يزال في صفوف الحزب أن يستعمل طريقة " الصحف الشعبية " التي استعملها منذ مغادرته الحزب ، الإساءة المبطّنة و الثرثرة فإنه ما كان فقط سيكشف فورا داخل الحزب كمجرّد تشويه سخيف وانتهاك صارخ للمبادئ الشيوعية لكن كان كذلك سيحدّد كجزء من انتهازية أشمل وكان سيطلب منه ترك هذه الطرق غير المبدئية وبدلا من ذلك الخوض بطريقة جدّية في المسائل الحيوية وذات الدلالة بالنسبة للخطّ و التي كانت محور الثورة الثقافية و الدفاع بوسائل مبدئية و ذات مغزى عن الخطوط التي دافع عنها في معارضة للخطّ الثوري للحزب. وكان سيخفق ببؤس في محاولة القيام بذلك مرّة أخرى لأنّ هذه الخطوط كانت ستكشف كخطوط ممثّلة لذات "الحزمة " التي كان الحزب وأعضاؤه يتعرّفون عليها بصفة تصاعدية على أنها تحريفية ويخوضون لذلك صراعا إيديولوجيا ضدّها.
كما قلنا ، في سيرورة صراع طبقي كبير ( وهذا حال الثورة الثقافية داخل حزبنا : صراع طبقي حيوي في المجال الأيديولوجي ) ينزع الناس وتنزع الأشياء إلى الانقسام. بعد خوض هذا الصراع على أساس مبدئي ، مركزا على مسائل الخطّ الإيديولوجي و السياسي وباحثا عن كسب أكبر عدد يمكن كسبه للخطّ الثوري، دون مساومة مع التحريفية ، عزّز حزبنا نفسه كثيرا في نظرته و توجهه الشيوعيين وقدرته على النهوض بمسؤولياته الثورية، و على هذا الأساس تخلصنا على نحو جيد من الانتهازيين مثل الذين شكّلوا عصابة صغيرة من "النقاد الطفيليين". وبينما أفلس خطّ هؤلاء الانتهازيين كليا ، سيتعزّز حزبنا و كذلك الحركة الثورية التي نكرّس أنفسنا لبنائها و قيادتها لمّا يقارن الناس موضوعيا بين الخطّ المعادي للثورة لهؤلاء الانتهازيين و الدور الذى يلعبونه، من جهة و الخطّ و العمل الشيوعيين الثوريين لحزبنا من جهة أخرى. ( في ارتباط بهذا ، راجعوا "الالتصاق بالواقع الرأسمالي الفظيع" أم صياغة طريق للمستقبل الشيوعي" ، ردّ على التسع رسائل لمايك آلي" لمجموعة كتابة من الحزب الشيوعي الثوري، متوفر على الأنترنت).
18/ ( دستور الحزب الشيوعي الثوري ، الولايات المتحدة الأمريكية ) المبادئ التنظيمية، الفصل 1 ، العضوية ،ص (18) وهو كذلك متوفّر على الأنترنت.
19/ نفس المصدر السابق، المبادئ التنظيمية ، ص 15.
20/ بوب آفاكيان: " الشيوعية وديمقراطية جيفرسون"، منشورات الأر سي بي ، شيكاغو 2008، وهذا العمل أيضا متوفّر على الأنترنت.
21/ ( دستور الحزب الشيوعي الثوري ، الولايات المتحدة الأمريكية ) ، الخاتمة ، ص 24 ، وهو كذلك متوفّر على الأنترنت